شهدت الساحة السياسية التركية تطوراً مفاجئاً بإعلان محكمة الاستئناف في العاصمة أنقرة قراراً نهائياً يقضي ببطلان نتائج المؤتمر العام الـ38 لحزب الشعب الجمهوري. وجاء هذا الحكم بعد ثبوت وقوع مخالفات قانونية جسيمة وتلاعب في عمليات التصويت، بالإضافة إلى الكشف عن قضايا شراء أصوات شابت العملية الانتخابية التي جرت في نوفمبر الماضي.
وبموجب هذا القرار القضائي، تم عزل أوزغور أوزل من منصبه كرئيس للحزب، وإعادة الرئيس السابق كمال كليتشدار أوغلو لتولي القيادة مجدداً. وكان أوزل قد وصل إلى سدة الرئاسة في المؤتمر الملغى بعد تغلبه على كليتشدار أوغلو بدعم مباشر من رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، وهو ما اعتبرته المحكمة الآن إجراءً غير قانوني.
من جانبه، سارع كمال كليتشدار أوغلو بالترحيب بقرار المحكمة، مطالباً الأجهزة الأمنية بالتدخل لإخلاء المقر الرئيسي للحزب من أوزل ومؤيديه. وأكدت مصادر مقربة منه أنه عازم على استعادة السيطرة الكاملة على مفاصل الحزب وتصحيح المسار الذي انحرف عقب المؤتمر الأخير الذي وصفه سابقاً بأنه شهد 'طعنة في الظهر'.
في المقابل، وصفت جبهة أوزل وإمام أوغلو الحكم القضائي بأنه 'انقلاب قضائي' تقف وراءه السلطة الحاكمة في محاولة لشق صفوف المعارضة. وادعى هؤلاء أن القضية مسيسة وتهدف إلى استهداف القيادات الشابة في الحزب، رغم أن الدعوى رُفعت من قبل أعضاء داخل الحزب نفسه أدلوا بشهادات حول تلقيهم رشاوى.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن الحزب يتجه نحو صراع داخلي محتدم، حيث يرفض أوزل التسليم المطلق للقرار وقام بعقد اجتماع لنواب الحزب لانتخابه رئيساً للكتلة البرلمانية. وقد ظهر هذا التوتر جلياً في تغيير اللوحات التعريفية على مكتبه بالبرلمان من 'رئيس الحزب' إلى 'رئيس الكتلة البرلمانية' تحت ضغط التطورات القانونية.
ويرى مراقبون أن كليتشدار أوغلو يخطط لإطلاق 'عملية تطهير' واسعة النطاق داخل الحزب فور إحكام قبضته على المقر الرئيسي. ومن المتوقع أن تشمل هذه الإجراءات تعليق عضوية عدد من رؤساء البلديات، وعلى رأسهم أكرم إمام أوغلو، خاصة في ظل وجود اتهامات تتعلق بملفات فساد مالي وإداري.
القرار القضائي استند إلى أدلة دامغة قدمها أعضاء من داخل حزب الشعب الجمهوري، أكدوا فيها تعرضهم لضغوط وإغراءات مالية لتغيير بوصلة التصويت لصالح أوزل. هذه الشهادات كانت الحاسمة في إقناع المحكمة بضرورة إلغاء نتائج المؤتمر بالكامل واعتبارها كأن لم تكن، مما أعاد الوضع القانوني لما قبل نوفمبر 2023.
كليتشدار أوغلو وصف هزيمته السابقة بأنها طعنة في الظهر، والآن يطالب بعملية تطهير شاملة داخل صفوف الحزب.
وتطالب الجبهة المؤيدة لأوزل بضرورة عقد مؤتمر عام استثنائي جديد خلال 40 يوماً لإعادة انتخاب قيادة جديدة، في محاولة لاستباق أي تغييرات هيكلية قد يجريها كليتشدار أوغلو. إلا أن التوقعات تشير إلى رفض القيادة العائدة لهذا المقترح، والتمسك بالبقاء في المنصب حتى موعد الانتخابات العامة القادمة في 2028.
التسريبات الواردة من أروقة الحزب تفيد بأن كليتشدار أوغلو يعتزم عزل أوزل حتى من رئاسة الكتلة البرلمانية في القريب العاجل. ويهدف هذا التحرك إلى ضمان وحدة القرار السياسي للحزب ومنع وجود مراكز قوى موازية قد تعيق خطته في إعادة ترتيب البيت الداخلي للمعارضة التركية.
وفي حال نجاح كليتشدار أوغلو في تثبيت أركان حكمه للحزب، فقد يجد المنشقون أنفسهم أمام خيارات صعبة تتراوح بين الانصياع للقيادة الجديدة أو الانفصال. وتاريخ الانشقاقات في الأحزاب التركية الكبرى يشير دائماً إلى صعوبة نجاح الكيانات الصغيرة الناشئة في مواجهة المؤسسات الحزبية العريقة.
أكرم إمام أوغلو، الذي كان يُنظر إليه كمرشح محتمل للرئاسة، يواجه الآن تحديات قانونية وسياسية مزدوجة قد تنهي طموحاته مبكراً. فإلى جانب خسارة نفوذه داخل الحزب، تلاحقه اتهامات بتأسيس شبكات نفوذ غير قانونية واستخدام موارد البلدية لتمويل صراعات حزبية داخلية.
الشارع التركي يتابع باهتمام هذه الفصول الأخيرة من الصراع داخل أكبر أحزاب المعارضة، وسط تساؤلات عن مدى تأثير ذلك على توازن القوى السياسي. فالحزب الذي كان يسعى لتقديم نفسه كبديل للحكم، يجد نفسه الآن غارقاً في أزمات قانونية وأخلاقية تتعلق بنزاهة انتخاباته الداخلية.
مصادر إعلامية أشارت إلى أن عدداً كبيراً من نواب الحزب ورؤساء البلديات بدأوا بالفعل في تغيير ولائهم والعودة لدعم كليتشدار أوغلو. هذا التحول يأتي في إطار الرغبة في الحفاظ على استقرار الحزب وتجنب الدخول في نفق مظلم من الصراعات القضائية التي قد تستمر لسنوات.
ختاماً، يمثل هذا الحكم القضائي نقطة تحول جوهرية في مسيرة حزب الشعب الجمهوري، حيث يضع حداً لفترة قصيرة من قيادة أوزل التي اتسمت بالجدل. ويبقى التحدي الأكبر أمام كليتشدار أوغلو هو قدرته على لم شمل الحزب مجدداً وتقديم رؤية سياسية قادرة على منافسة الحزب الحاكم في الاستحقاقات المقبلة.





שתף את דעתך
زلزال سياسي في تركيا: القضاء يعيد كليتشدار أوغلو لرئاسة حزب الشعب الجمهوري ويعزل أوزل