ג 26 מאי 2026 2:17 pm - שעון ירושלים

مشروع الغنوشي الفكري: مراجعات في قضايا المرأة والديمقراطية والدولة المدنية

يواصل الباحث التونسي عبد العزيز التميمي تسليط الضوء على المشروع الإصلاحي للشيخ راشد الغنوشي، معتبراً إياه مختبراً حياً للأسئلة الكبرى التي واجهت الفكر الإسلامي المعاصر. ويرى التميمي أن تجربة الغنوشي ولدت من رحم الجدل الدائم بين المعاناة الشخصية في السجون والمنافي وبين الوعي السياسي والفكري المتراكم عبر العقود.

في كتابه 'المرأة بين القرآن وواقع المسلمين'، يقدم الغنوشي رؤية مقاصدية تحاول ردم الفجوة بين القيم القرآنية التحررية والممارسات الاجتماعية التي همشت المرأة. ويؤكد أن الأزمة تكمن في التقاليد التاريخية التي أعادت إنتاج أنماط الإقصاء تحت غطاء ديني، بينما منح القرآن المرأة مرتبة الإنسان الكامل المسؤول.

يشدد الغنوشي في أطروحاته على أن المرأة شريك أصيل للرجل في الاستخلاف والعمران، ويرفض اختزال دورها في الإنجاب أو التبعية المطلقة. ويرى أن تحررها مرتبط بالتعليم والمشاركة الاقتصادية والفكرية، منتقداً النظم التقليدية التي حصرت نشاطها في أدوار ضيقة ومنعتها من المساهمة الفاعلة في المجال العام.

يتناول الغنوشي قضية الحجاب كجزء من منظومة أخلاقية تعبر عن الهوية والحياء، لكنه يرفض بشكل قاطع تحويله إلى أداة للإكراه السياسي أو الاجتماعي. ويؤكد أن قيمة التدين تنبع من حرية الاختيار والاقتناع الداخلي، مشيراً إلى أن التاريخ الإسلامي حافل بنماذج نسائية فاعلة في السياسة والعلم والجهاد.

أما في كتابه 'الحريات العامة في الدولة الإسلامية'، فيسعى الغنوشي إلى تفكيك الصورة النمطية للدولة الإسلامية كدولة وصاية، مؤكداً أن الاستبداد انحراف تاريخي. ويعتبر أن الحرية هي جوهر التكليف الديني، إذ لا معنى للإيمان القائم على القهر أو الإكراه السلطوي.

يطرح المشروع الفكري للغنوشي مبدأ الشورى كآلية موازية للديمقراطية الحديثة لمنع تغول السلطة وضمان الرقابة الشعبية. ويرى أن الأمة هي المصدر الحقيقي للشرعية السياسية، وأن الحاكم يستمد سلطته من التعاقد الحر والاختيار الشعبي، بعيداً عن مفاهيم التفويض الإلهي أو القوة العسكرية.

يدافع الغنوشي عن التعددية السياسية والفكرية، معتبراً أن المجتمع لا يمكن إدارته بمنطق الحزب الواحد أو احتكار الحقيقة المطلقة. ويؤكد على حق كافة التيارات، بما فيها غير الإسلامية، في العمل السياسي العلني، انطلاقاً من أن الاختلاف سنة إنسانية وقرآنية يجب احترامها في إطار الدولة.

في سياق الحريات الفردية، يقدم الغنوشي قراءة توازن بين هوية المجتمع وحقوق الأفراد في التعبير والنقد والمعارضة. ويرى أن حرية الصحافة ومنظمات المجتمع المدني هي التجسيد المعاصر لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي الضمانة الأساسية ضد عودة الأنظمة الشمولية.

حول قضية المواطنة، يؤكد الغنوشي أن الإسلام أقر مبدأ 'لا إكراه في الدين'، مما يستوجب بناء دولة تحفظ حقوق الجميع بغض النظر عن انتماءاتهم العقدية. ويدعو إلى تعايش يقوم على الاعتراف المتبادل، ورفض أي تمييز قهري يستند إلى الدين أو الفكر في الحقوق والواجبات الوطنية.

على الصعيد الآخر، يبرز نقد حمادي الرديسي في كتابه 'الإسلام المتردد'، حيث يرى أن الحركات الإسلامية تعيش ارتباكاً بين مرجعيتها الدعوية ومتطلبات الدولة الحديثة. ويعتبر الرديسي أن قبول الإسلاميين بالديمقراطية هو قبول إجرائي وبراغماتي، بينما يظلون مترددين تجاه الأسس الفلسفية للحداثة والسيادة الشعبية.

يرد أنصار مشروع الغنوشي على هذا النقد بالقول إن الجمع بين الإسلام والديمقراطية ليس تردداً، بل هو محاولة لإنتاج نموذج حضاري جديد. ويرون أن المراجعات الفكرية التي بدأت منذ الثمانينات كانت نتاج اجتهاد داخلي عميق، وليست مجرد استجابة ظرفية للضغوط السياسية أو الدولية.

أعلن الغنوشي بوضوح عن ضرورة الفصل المنهجي والتخصصي بين المجالين الدعوي والسياسي، معتبراً أن الدين عنصر مؤسس للهوية والقيم العامة. ويهدف هذا التوجه إلى منع احتكار الدين أو توظيفه في الصراعات الحزبية الضيقة، مع الحفاظ على حق المجتمع في التعبير عن مرجعيته الحضارية.

يربط التميمي بين مسار الغنوشي السياسي وتاريخ تونس المعاصر، مشيراً إلى رمزية اعتقاله في ليلة القدر عام 2023 كاستعارة للصراع المستمر من أجل الحرية. ويرى أن تجربة الغنوشي نقلت الإسلام السياسي من منطق الجماعة المغلقة إلى أفق 'الإسلام الديمقراطي' المنفتح على أسئلة الدولة والتنمية.

في الختام، يظل مشروع الغنوشي جزءاً من المخاض التاريخي للمنطقة العربية في انتقالها نحو الدولة المجتمعية الديمقراطية. وتؤكد القراءة التحليلية أن الأفكار التي تربط الدين بالحرية والهوية بالتعددية لن تختفي بالإجراءات الأمنية، بل ستظل محور النقاش حول مستقبل الاستقرار والكرامة في العالم العربي.

תגים

שתף את דעתך

مشروع الغنوشي الفكري: مراجعات في قضايا المرأة والديمقراطية والدولة المدنية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.