يعيد كتاب 'دولة الإرهاب: كيف خلق الإرهاب إسرائيل الحديثة' للمؤرخ توماس سواريز، تسليط الضوء على الجذور الدموية للكيان الصهيوني، مؤكداً أن الإرهاب لم يكن مجرد استثناء عابر بل هو الركيزة الأساسية التي قام عليها المشروع الاستيطاني. ويوضح الكتاب أن المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، مثل مذبحة دير ياسين، كانت خطوات مدروسة ضمن استراتيجية أوسع للسيطرة على كامل فلسطين التاريخية وشرق الأردن.
وتكشف الوثائق المستمدة من الأرشيفين البريطاني والأمريكي أن الحركة الصهيونية تعمدت خلق حالة من 'التعقيد المزعوم' حول الصراع لإخفاء الحقائق الدامغة عن الرأي العام الغربي. هذا الغموض المصطنع يُستخدم كأداة لتبرير الفشل الدولي في إنهاء الاحتلال، ولتقديم سردية أسطورية تخلط بين الحقوق الدينية والمطامع الاستعمارية العرقية على حساب الشعب الفلسطيني الأصيل.
ويشير سواريز إلى أن العنف الصهيوني لم يقتصر على الفلسطينيين فحسب، بل طال المجتمعات اليهودية في أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط لإجبارهم على الهجرة. وتضمنت هذه التكتيكات إحباط فرص لجوئهم إلى بلدان آمنة، واختطاف الأيتام، وحتى تنفيذ عمليات تفجيرية نُسبت زيفاً للعرب لإثارة الرعب في نفوس اليهود ودفعهم نحو فلسطين.
لقد طُمست معالم التاريخ الفلسطيني القائم على التسامح الديني تدريجياً، وصُوِّرت مقاومة السكان الأصليين للهيمنة العرقية على أنها معاداة للسامية. ومع مطلع القرن العشرين، أقرت الحركة الصهيونية أن أهدافها السياسية لا يمكن تحقيقها إلا عبر القتل والمصادرة وتجويع الفلسطينيين، لجعل حياتهم بائسة ودفعهم للرحيل القسري عن أرضهم ومواردهم.
وفيما يتعلق بتعريف الإرهاب، يوضح الكتاب أن الصهيونية مارست عنفاً هائلاً ضد كل من اعتبرته عقبة في طريقها، بما في ذلك المؤسسة الاستعمارية البريطانية التي رعتها في البداية. وقد سعى هذا العنف تحديداً إلى منع تقرير المصير للفلسطينيين وفرض حكم الأقلية القائم على أساس عرقي، وهو ما يرفضه القانون الدولي جملة وتفصيلاً.
وتحول مفهوم 'الدفاع عن النفس' في السردية الصهيونية إلى غطاء لجرائم التطهير العرقي، حيث يُصنف المستوطن الغازي كمدني وضحية، بينما يُوصف الفلسطيني المدافع عن منزله بالإرهابي. وحظيت هذه الميليشيات بدعم مالي ولوجستي واسع من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، مما مكنها من تنفيذ مخططاتها تحت غطاء دولي منحاز.
وعلى الرغم من التركيز التاريخي على منظمتي 'إرغون' و'شتيرن' كجماعات إرهابية، إلا أن قوة 'البلماخ' التابعة للهاجاناه ارتكبت فظائع فاقت سابقاتها في أوائل عام 1948. إن إرهاب الدولة الإسرائيلية الذي بدأ في فترة الانتداب هو ذاته الذي يحدد مسار الأحداث اليوم، حيث تظل المقاومة الفلسطينية رد فعل طبيعي على القمع المستمر ومصادرة الأرض.
إن الصراع المستمر ليس لغزاً معقداً، بل قصة مأساوية واحدة توثق عزم الحركة الصهيونية على الاستيلاء على فلسطين بأكملها عبر العنف الممنهج.
ويصف الكتاب قرار الأمم المتحدة رقم 181 الخاص بالتقسيم بأنه كان 'خدعة' دولية، حيث لم يتضمن أي آليات لمنع التطهير العرقي الوشيك آنذاك. وقد أدركت الاستخبارات الدولية حينها أن الوكالة اليهودية لم تكن تنوي احترام القرار، بل اعتبرته موطئ قدم لمزيد من التوسع الجغرافي على حساب الدولة الفلسطينية الموعودة التي لم ترَ النور.
وبحلول عام 1949، كانت إسرائيل قد استولت على أكثر من 56% من الأراضي المخصصة للفلسطينيين في قرار التقسيم، وقامت بتطهيرها عرقياً بالكامل. وسارعت الحكومة الإسرائيلية الأولى، التي شكلها قادة الجماعات الإرهابية، إلى توطين المهاجرين الجدد في بيوت اللاجئين الفلسطينيين الذين مُنعوا من العودة حتى لجمع محاصيلهم أو استعادة مدخراتهم.
وفي العصر الحديث، يبرز قطاع غزة كنموذج صارخ لهذا الإرهاب الممنهج، حيث يُصور الحصار المميت والمذابح الجوية كإجراءات أمنية ضرورية. ويتم تجاهل حقيقة أن مليون لاجئ في غزة ينتظرون العودة إلى ديارهم التي احتُلت عام 1948، بينما تحول القطاع إلى ما يشبه 'قدر ضغط' بشري ينتظر الانفجار نتيجة الخنق المستمر.
وتنتقد المادة بشدة 'مقبرة القرارات الدولية'، حيث يتم تجاهل مئات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة منذ عام 1948، بينما تُكافأ إسرائيل على عدم امتثالها بمطالب دولية مخففة. ويُعتبر اتفاق 'أوسلو' في هذا السياق حصان طروادة الذي منح شرعية رسمية للحقائق التي فرضها الاحتلال بالقوة على الأرض، مما أدى لتبديد حلم الدولة المستقلة.
ويمتد أثر الوجود الصهيوني ليشمل الشعوب العربية، حيث حُكم على أجيال من المصريين وغيرهم بالخضوع لأنظمة موالية لإسرائيل فرضتها القوى الغربية لضمان أمن الكيان. هذا الواقع شكل عقبة أمام طموحات الشعوب في الحرية والديمقراطية، وجعل من أمن إسرائيل أولوية تتقدم على حقوق الإنسان والتنمية في المنطقة العربية برمتها.
ويكشف الكتاب النفاق الإعلامي والسياسي الأمريكي الذي يحصر الخيارات بين الدعم المطلق لإسرائيل أو تبرير جرائمها كدفاع عن النفس. وفي الوقت الذي يُعتبر فيه أسر جندي إسرائيلي غازٍ عملاً إرهابياً، يتم التغاضي عن آلاف المدنيين والأطفال الفلسطينيين المختطفين في سجون الاحتلال والذين يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب دون تهم واضحة.
وفي الختام، يؤكد سواريز أن معالجة جذور الصراع تكمن في يد إسرائيل التي تملك كافة أدوات القوة والاحتلال، بينما لا يملك الفلسطينيون سوى حقهم في العدالة. إن 'عملية السلام' الحالية ليست سوى وسيلة لكسب الوقت، والحل الحقيقي يتطلب رفع الظلم والعودة إلى الحقائق التاريخية التي بدأت منذ عام 1917 حين وُضع مخطط استبدال الشعب الفلسطيني.





שתף את דעתך
من دير ياسين إلى غزة.. توثيق تاريخي يكشف بنية الإرهاب في تأسيس الكيان