واشنطن – سعيد عريقات-25/5/2026
تحليل إخباري
شكّل الاتفاق المؤقت الذي أعلنت عنه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع إيران نهاية الأسبوع تحولاً لافتاً في مسار المواجهة التي دفعت المنطقة إلى حافة انفجار واسع، لكنه لا يرقى بعد إلى مستوى اتفاق سلام شامل أو تسوية نهائية للملف النووي الإيراني. فالتفاهم المطروح يركّز أساساً على تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وخلق مساحة زمنية لمفاوضات أوسع لاحقاً، في وقت تتجنب فيه واشنطن وطهران الخوض المباشر في القضايا الأكثر تعقيداً، وعلى رأسها البرنامج النووي والصواريخ البالستية والعقوبات الاقتصادية.
ويبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة بأن استمرار التصعيد يحمل كلفة باهظة لا يمكن تحملها. فالولايات المتحدة تواجه ضغوطاً داخلية متزايدة مع ارتفاع أسعار الوقود واقتراب انتخابات التجديد النصفي، بينما تواجه إيران أزمة اقتصادية خانقة بعد تراجع عائداتها النفطية وتزايد العزلة المالية. لذلك، جاء الاتفاق المؤقت كصيغة “خفض خسائر” أكثر منه تسوية استراتيجية، إذ يمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس ومنع انزلاق الحرب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وبحسب التسريبات الأميركية والإيرانية، فإن التفاهم المقترح ينص على إعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة تمتد بين ثلاثين وستين يوماً، مع إزالة الألغام وضمان حرية الملاحة من دون رسوم إيرانية، مقابل تخفيف بعض القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية وإصدار إعفاءات محدودة من العقوبات. كما يتضمن الاتفاق العودة إلى مفاوضات نووية موسعة، من دون حسم القضايا الجوهرية المتعلقة بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب أو مستقبل التخصيب نفسه.
وفي هذا السياق، بدا واضحاً أن ترمب تراجع عملياً عن خطابه السابق الذي كان يربط أي اتفاق مع إيران بـ"الاستسلام غير المشروط". فالرئيس الأميركي، الذي أعلن قبل أسابيع أن هدف الحرب إنهاء البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين بالكامل، بات يتحدث الآن عن مفاوضات "منظمة وبناءة"، مع إقراره بأن الاتفاق النهائي لم يُنجز بعد. ويعكس هذا التحول إدراكاً أميركياً متزايداً بأن تحقيق الأهداف القصوى التي رُفعت في بداية الحرب أمر بالغ الصعوبة، وربما مستحيل من دون حرب طويلة ومكلفة.
يكشف الاتفاق المؤقت حدود القوة العسكرية في إدارة الصراعات المعقدة في الشرق الأوسط. فبعد أسابيع من التصعيد والضربات والهجمات المتبادلة، عادت واشنطن وطهران إلى النقطة نفسها تقريباً: التفاوض. وهذا يعكس حقيقة أن الحرب لم تتمكن من فرض استسلام سياسي على إيران، كما لم تستطع طهران فرض معادلة ردع كاملة على الولايات المتحدة وحلفائها. وفي النهاية، فرضت اعتبارات الاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي نفسها على الطرفين، لتصبح البراغماتية السياسية أقوى من خطاب الحسم العسكري الذي سيطر على المرحلة السابقة.
ورغم الحديث الأميركي عن استعداد إيران للتفاوض بشأن اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، فإن طهران نفت التوصل إلى أي تفاهم يتعلق بتسليم مخزونها النووي أو تعليق التخصيب لفترة طويلة. وأكدت مصادر إيرانية أن الملف النووي سيُناقش فقط في مراحل لاحقة، بعد تثبيت وقف الحرب وتنفيذ واشنطن التزاماتها المتعلقة بالعقوبات والأموال المجمدة. كما شددت وكالة "تسنيم" المقربة من الحرس الثوري على أن إيران لم تتخلى عن "حقوقها النووية"، وأن الخلافات الأساسية لا تزال قائمة.
وفي المقابل، يواجه ترمب انتقادات حادة من داخل المعسكر الجمهوري نفسه. فقد اعتبر عدد من صقور الحزب أن الاتفاق يمثل تراجعاً أميركياً واضحاً، وأنه يمنح إيران فرصة لإعادة ترتيب أوراقها من دون تفكيك قدراتها النووية أو الصاروخية. وذهب بعض المنتقدين إلى القول إن الإدارة الأميركية تخلت عملياً عن أهداف الحرب الأصلية، واكتفت بإدارة الأزمة بدلاً من حسمها.
وتكشف ردود الفعل داخل واشنطن حجم الانقسام الأميركي حول كيفية التعامل مع إيران. فبينما يرى فريق أن الأولوية يجب أن تكون منع الانفجار الإقليمي وتأمين تدفق النفط، يعتبر آخرون أن أي اتفاق لا ينهي بالكامل قدرة إيران النووية يمثل هزيمة سياسية واستراتيجية. وهذا الانقسام ليس جديداً، لكنه يعكس مأزقاً أميركياً دائماً في الشرق الأوسط: الرغبة في فرض النفوذ الكامل، مقابل محدودية القدرة على تحقيق ذلك من دون الانجرار إلى حروب طويلة ومكلفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تراهن حالياً على أن فتح مضيق هرمز وتهدئة الأسواق العالمية قد يهيئان أجواء أفضل لمفاوضات أكثر تعقيداً لاحقاً. لكن التجربة التاريخية للمفاوضات الأميركية الإيرانية تشير إلى أن الطريق سيكون طويلاً ومليئاً بالأزمات. فالخلافات لا تقتصر على التخصيب النووي، بل تشمل العقوبات، والأموال الإيرانية المجمدة، والدور الإقليمي لطهران، وبرنامج الصواريخ البالستية، إضافة إلى الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
وتؤكد الأزمة الحالية أيضاً أن أمن الخليج والطاقة العالمية باتا مرتبطين بشكل مباشر بأي مواجهة بين واشنطن وطهران. فمجرد التهديد بإغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطراب واسع في الأسواق وإثارة مخاوف عالمية من أزمة طاقة جديدة. ولذلك، فإن القوى الدولية الكبرى لا تنظر إلى الاتفاق المؤقت باعتباره شأناً ثنائياً فقط، بل باعتباره محاولة عاجلة لمنع اهتزاز الاقتصاد العالمي. غير أن هشاشة التفاهم الحالي تعني أن أي خطأ سياسي أو عسكري قد يعيد المنطقة سريعاً إلى حافة الانفجار من جديد.
ويثير احتمال التوصل إلى اتفاق دائم بين واشنطن وطهران حالة واضحة من الإحباط داخل الحكومة الإسرائيلية وبين دعاة استمرار الحرب في واشنطن، الذين كانوا يعولون على التصعيد العسكري لإسقاط أي مسار تفاوضي. فبنيامين نتنياهو بنى جزءاً كبيراً من استراتيجيته على إبقاء المواجهة مفتوحة ومنع أي تفاهم أميركي إيراني يمكن أن يخفف عزلة طهران أو يحد من الدور الإسرائيلي في رسم السياسات الإقليمية. غير أن الأشهر الأخيرة أظهرت تراجع قدرة إسرائيل على عرقلة التفاهمات عبر الضغوط السياسية أو التصعيد الأمني، بعدما استنفدت معظم أدوات المناورة والتخويف التي استخدمتها سابقاً لإفشال اتفاقات مشابهة.





שתף את דעתך
هدنة هرمز تفتح نافذة للدبلوماسية: واشنطن وطهران تنتقلان من حافة الحرب إلى طاولة التفاوض