سجلت الكوادر الطبية في مستشفى العيون بمدينة غزة إنجازاً طبياً لافتاً بإجراء أول جراحة لزراعة قرنية منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على القطاع. وتأتي هذه الخطوة في ظل ظروف قاسية يعيشها المنظومة الصحية نتيجة إغلاق المعابر ومنع إدخال المستلزمات الطبية الأساسية.
أجريت العملية الجراحية للمريضة بيروت النخالة، البالغة من العمر 33 عاماً، والتي كانت تعاني من مرض القرنية المخروطية. وقد تسبب هذا المرض وتداعيات الحرب في فقدانها شبه الكامل للبصر في عينها اليسرى، مما جعل التدخل الجراحي ضرورة ملحة لإنقاذ ما تبقى من رؤيتها.
القرنية التي أُعيد بها البصر للنخالة جاءت كوصية من شهيد فلسطيني ارتقى إثر قصف إسرائيلي استهدف مخيم جباليا شمالي القطاع في منتصف مايو الجاري. وقد وافقت عائلة الشهيد على تنفيذ وصيته بالتبرع بأعضائه، لتتحول مأساتهم إلى بارقة أمل لمريضة أخرى كانت تنتظر العلاج منذ أشهر.
ترأس الفريق الطبي الدكتور حسام داوود، مدير مستشفى العيون واستشاري زراعة القرنية، الذي أكد أن العملية تكللت بالنجاح التام. ووصف الأطباء هذا الإنجاز بأنه بداية لاستئناف برنامج زراعة القرنيات الوطني الذي توقف قسراً بسبب العدوان ونقص الإمكانيات.
من جانبها، روت المريضة بيروت النخالة تفاصيل معاناتها التي تفاقمت خلال أشهر النزوح، حيث أدى الدخان الناتج عن القصف وانقطاع الكهرباء إلى تدهور حاد في بصرها. وأوضحت أنها كانت تعتمد كلياً على عينها اليمنى التي بدأت تضعف هي الأخرى، بينما تلاشت الرؤية في اليسرى لتصبح مجرد بضعة سنتيمترات.
وأشارت النخالة إلى أنها كانت مدرجة منذ فترة طويلة على قوائم التحويلات الطبية للعلاج خارج قطاع غزة، إلا أن إغلاق المعابر حال دون سفرها. وقالت إن اتصال المستشفى بها لإبلاغها بتوفر قرنية كان بمثابة معجزة لم تتوقع حدوثها في ظل الدمار المستمر.
أكد الدكتور حسام داوود في تصريحات لمصادر صحفية أن هذه العملية تمثل الحالة الأولى ضمن مساعي استئناف الحملة الوطنية لزراعة القرنيات. وأوضح أن المستشفى بذل جهوداً مضنية استمرت لثلاثة أشهر لتأمين الحد الأدنى من الخيوط الجراحية والمواد الطبية اللازمة.
رحل الشهيد وبقي أثره يمنح الحياة والأمل للآخرين، لم أتوقع أن أتمكن من إجراء هذه الجراحة في ظل الظروف المستحيلة التي نعيشها.
وكشف داوود عن وجود أزمة صحية صامتة، حيث ينتظر أكثر من 300 مريض في قطاع غزة دورهم لإجراء عمليات زراعة قرنية بشكل عاجل. وحذر من أن تأخير هذه العمليات يهدد هؤلاء المرضى بفقدان البصر الدائم، خاصة مع استمرار منع السفر للعلاج.
وشدد المدير الطبي على أن إدخال القرنيات من الخارج بات أمراً مستحيلاً بسبب الحصار المطبق، وهو ما دفع الأطباء للاعتماد الكلي على التبرعات المحلية. ودعا عائلات الشهداء والمتوفين إلى الاقتداء بهذه المبادرة لإنقاذ مئات الحالات التي تعاني في صمت.
في سياق متصل، وجهت إدارة مستشفى العيون نداءً عاجلاً للمؤسسات الدولية والدول الداعمة للقطاع الصحي بضرورة التدخل الفوري. وطالب الأطباء بتوفير المواد الحافظة للقرنيات والأدوات الجراحية المتخصصة التي نفدت من المخازن تماماً.
ويواجه القطاع الصحي في غزة تحديات غير مسبوقة نتيجة نقص الأدوية والمستهلكات الطبية، مما جعل العمليات التخصصية نادرة جداً. وتتزايد المخاوف من انهيار ما تبقى من خدمات طبية عيونية نتيجة الاستهداف المباشر والقيود المفروضة على دخول المساعدات.
طالبت وزارة الصحة الفلسطينية بضرورة تسريع آليات الإجلاء الطبي لآلاف الجرحى والمرضى الذين يحتاجون لتدخلات جراحية معقدة. وأكدت الوزارة أن الأعداد التي يسمح لها بالمغادرة لا تتناسب مطلقاً مع حجم الكارثة الصحية المتفاقمة في الميدان.
وتشير إحصائيات رسمية صادرة عن مصادر طبية إلى أن أكثر من 18 ألف مريض وجريح لا يزالون ينتظرون فرصة للسفر لتلقي العلاج. ويأتي ذلك في وقت تتنصل فيه سلطات الاحتلال من التزاماتها بإعادة فتح المعابر الحيوية التي كانت تشكل شريان الحياة الوحيد للمرضى.
ختاماً، تبرز قصة بيروت النخالة كنموذج للتحدي والإصرار الفلسطيني على البقاء رغم آلة الحرب، حيث تحول استشهاد مواطن إلى حياة جديدة لآخر. وتبقى الآمال معلقة على استمرار هذه المبادرات المحلية لتعويض النقص الحاد في الإمدادات الطبية الخارجية.





שתף את דעתך
نور من قلب الركام.. نجاح أول زراعة قرنية بقطاع غزة منذ بدء العدوان