تتصاعد الضغوط على منظومة الكهرباء العراقية مع استمرار تأجيل مشروع الربط الاستراتيجي مع دول الخليج العربي، وهو ما يهدد بتوسيع الفجوة بين الإنتاج والطلب المحلي. وأكد خبراء في قطاع الطاقة أن هذا التعثر ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو انعكاس لاختلالات هيكلية تجعل العراق عرضة للتقلبات السياسية والأمنية في المنطقة.
وكانت الآمال معقودة على بدء تزويد العراق بنحو 500 ميغاواط من الكهرباء عبر الكويت في نيسان الماضي، إلا أن الموعد أُرجئ إلى نهاية آب المقبل. وتشير تقديرات فنية إلى احتمالية ترحيل المشروع إلى نهاية العام الحالي، مما يحرم الشبكة الوطنية من رافد حيوي خلال أشهر الصيف الحارقة.
وترتبط أسباب هذا التأجيل بحالة عدم الاستقرار الإقليمي، إضافة إلى أزمة السيولة المالية التي تضرب الموازنة العراقية نتيجة توقف الصادرات النفطية في بعض المناطق. وتفرض شروط التعاقد سداد تكاليف الربط مسبقاً، وهو ما يشكل عقبة إضافية أمام الحكومة التي تسعى لتأمين بدائل سريعة للطاقة.
وفي مواجهة هذه التحديات، أعلنت وزارة الكهرباء العراقية تفعيل خطة طوارئ خاصة بأحمال الذروة الصيفية للحفاظ على استقرار المنظومة. وأوضح وزير الكهرباء، علي سعدي وهيب أن الوزارة تعمل على مواجهة تداعيات تقليل إمدادات الغاز التي أثرت بشكل مباشر على ساعات التجهيز في مختلف المحافظات.
جاءت هذه التحركات خلال زيارة تفقدية لرئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، لمقر وزارة الكهرباء لبحث سير المشاريع الاستراتيجية. وأكد الزيدي أن ملف الطاقة يتصدر أولويات البرنامج الحكومي، مشدداً على ضرورة إيجاد حلول مستدامة لإنهاء معاناة المواطنين المستمرة مع الانقطاعات المتكررة.
ورغم إعلان الوزارة سابقاً عن إنجاز 94% من أعمال الربط الخليجي، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى تقلص الخيارات أمام صانع القرار العراقي. ويحذر مراقبون من أن هذا التلكؤ سيزيد من حالة الإحباط الشعبي، خاصة مع وصول درجات الحرارة إلى مستويات قياسية ترفع الطلب على الطاقة إلى أكثر من 55 غيغاواط.
وتشير تقارير دولية إلى أن الشبكة العراقية تعاني من هشاشة مزمنة في البنى التحتية وضعف في قدرات النقل والتوزيع. ومع نقص الاستثمارات لسنوات طويلة، يصبح من الصعب على الشبكة الحالية مواكبة الطلب المتزايد على تكييف الهواء، مما يؤدي إلى انهيارات جزئية في المنظومة.
ملف الكهرباء يمثل أولوية وطنية قصوى ضمن البرنامج الحكومي لمواجهة تحديات ذروة الصيف.
ويبقى العراق رهينة لتوازن هش يعتمد فيه بشكل كبير على واردات الغاز من إيران لتشغيل محطاته الكهربائية. وتغطي هذه الواردات ما يقرب من 43% من احتياجات التوليد خلال فترات الذروة، مما يجعل أمن الطاقة العراقي مرتبطاً بالظروف السياسية والميدانية في الجارة الشرقية.
وقد شهدت الآونة الأخيرة تراجعاً حاداً في تدفقات الغاز الإيراني لتصل إلى مستويات تتراوح بين 15 و20 مليون متر مكعب يومياً فقط. وتعد هذه الكمية ضئيلة جداً مقارنة بحاجة العراق الفعلية التي تتجاوز 50 مليون متر مكعب لتشغيل المحطات الغازية بكامل طاقتها.
وأفادت مصادر بأن الضربات التي طالت البنية التحتية للطاقة في إيران، بما في ذلك حقل بارس الجنوبي، تسببت في هذا النقص الحاد. وأدى هذا التراجع إلى فقدان ما يقارب 4500 ميغاواط من الشبكة العراقية، مما انعكس فوراً على زيادة ساعات القطع المبرمج في معظم المدن.
وفي سياق متصل، يسلط الخبراء الضوء على معضلة هدر الغاز المصاحب في العراق، حيث فُقد نحو 18 مليار متر مكعب خلال العام الماضي. وكان من الممكن أن تسهم هذه الكميات المهدرة في تحقيق اكتفاء ذاتي نسبي لو تم استثمارها عبر مشاريع التقاط الغاز التي تسير ببطء شديد.
وتواجه مشاريع استثمار الغاز المحلي عقبات تقنية وتمويلية، فضلاً عن سوء الإدارة والتنسيق بين الجهات المعنية. ويؤدي هذا الفشل في استغلال الموارد الوطنية إلى استمرار الاعتماد على الاستيراد المكلف والحساس سياسياً، مما يضع ميزانية الدولة تحت ضغط مستمر.
وتحذر أوساط اجتماعية من التكلفة الباهظة لهذا العجز الكهربائي، حيث تتضرر الشركات الصغيرة والمستشفيات والعيادات بشكل مباشر. كما يؤدي انقطاع التيار إلى توقف مضخات المياه وتلف المواد الغذائية، مما يفاقم الأعباء المعيشية على العائلات العراقية، خاصة في المناطق الفقيرة.
وختاماً، يرى محللون أن بغداد لا تزال تملك بعض الخيارات الصعبة مثل البحث عن ترتيبات طارئة لاستيراد وقود بديل وأكثر تكلفة. ومع ذلك، يبقى الحل الجذري مرهوناً بتسريع صيانة المحطات وحماية الجداول الزمنية لمشاريع الربط الإقليمي بعيداً عن التجاذبات السياسية.





שתף את דעתך
أزمة الطاقة في العراق: تعثر الربط الخليجي وتراجع الغاز الإيراني يهددان بصيف ساخن