لم يعد الحديث عن الذكاء أو التعلّم في عصرنا ترفًا فكريًا أو قضية تخص النخب الأكاديمية فقط، بل أصبح مسألة اجتماعية واقتصادية تمس حياة الأفراد والعائلات والمجتمعات بأكملها. فالعالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة، والتكنولوجيا تعيد تشكيل سوق العمل، وأنماط التواصل، وحتى طريقة التفكير ذاتها. وفي خضم هذا التحوّل الكبير، تبدو الفجوة واضحة بين من يواكب هذا التغيير ويفهم أدواته، وبين من يكتفي بالمشاهدة والقلق والشكوى.
المشكلة أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة وكأنها عوالم بعيدة أو معقدة أو تخص فئة محددة من الناس، بينما الواقع يقول إن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، وتؤثر بصورة مباشرة في التعليم، والإعلام، والاقتصاد، والتجارة، وحتى في تشكيل الرأي العام والوعي الجمعي. وما كان يحتاج قبل سنوات إلى مؤسسات كاملة وفرق عمل كبيرة، بات اليوم يُدار من خلال خوارزميات وأدوات ذكية تختصر الوقت والجهد وتعيد تشكيل قواعد المنافسة.
وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، تبدو الصورة أكثر حساسية وتعقيدًا. فالمجتمع الفلسطيني من أكثر المجتمعات استخدامًا لمنصات التواصل الاجتماعي، خصوصًا في ظل الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة، حيث أصبحت الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، ومتنفسًا للكثيرين، ومصدرًا للأخبار والعمل وحتى الترفيه. لكن المشكلة لا تكمن في الاستخدام بحد ذاته، بل في طبيعة هذا الاستخدام ومستوى الوعي المرتبط به.
جزء كبير من المستخدمين يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها مساحة للاستهلاك فقط، لا مساحة للتعلّم أو الإنتاج أو بناء الفرص. ساعات طويلة تُستهلك يوميًا في متابعة المحتوى السريع، والجدل، والانفعالات اللحظية، وإعادة نشر الأخبار والمعلومات دون تدقيق أو فهم لطبيعة الخوارزميات وكيفية توجيه المحتوى والتأثير على السلوك العام. وفي كثير من الأحيان يتحول المستخدم إلى مجرد أداة داخل المنصة، يستهلك ما يُعرض عليه دون أن يدرك كيف يتم تشكيل اهتماماته ومخاوفه وقراراته بصورة تدريجية.
الأخطر من ذلك أن هذا الاستخدام غير الواعي يحدث في وقت يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية كبرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. بينما تتجه دول وشركات وأفراد إلى تطوير مهاراتهم الرقمية وصناعة مصادر دخل جديدة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا، ما زالت قطاعات واسعة في مجتمعاتنا تستخدم الأدوات نفسها بصورة استهلاكية بحتة، وكأنها مجرد وسيلة للهروب من الواقع أو قتل الوقت.
اقتصاديًا، هذا الأمر يحمل إشارات مقلقة للغاية، لأن العالم الجديد لن يعتمد فقط على الشهادات التقليدية، بل على المهارات الرقمية والقدرة على التعلّم السريع والتكيّف مع المتغيرات. ومع ارتفاع معدلات البطالة والأزمات الاقتصادية في الحالة الفلسطينية، كان من الممكن أن تتحول التكنولوجيا إلى فرصة حقيقية للشباب في مجالات العمل الحر، والتسويق الرقمي، وصناعة المحتوى، والتعليم الإلكتروني، والخدمات الرقمية العابرة للحدود. لكن غياب الوعي والتوجيه يجعل كثيرًا من الطاقات تضيع داخل دوامة الاستهلاك الرقمي بدل استثمارها في الإنتاج والتطوير.
أما اجتماعيًا، فقد بدأت آثار هذا الاستخدام العشوائي تظهر بوضوح على العلاقات الأسرية، والانتباه، وطريقة التفكير، وحتى على مستوى النقاش العام. فالمنصات اليوم لا تكتفي بعرض المحتوى، بل تعيد تشكيل أولويات الناس ومشاعرهم وطريقة تفاعلهم مع القضايا المختلفة. ومع غياب الثقافة الرقمية الحقيقية، يصبح المجتمع أكثر عرضة للإشاعات، والاستقطاب، والانفعالات السريعة، وفقدان القدرة على التركيز والتحليل العميق.
إن ناقوس الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في تطور التكنولوجيا، بل في أن يتحول مجتمع كامل إلى مستخدم سلبي يعيش داخل العالم الرقمي دون أن يفهمه أو يمتلك أدواته. فالفجوة اليوم لم تعد فقط فجوة اقتصادية أو سياسية، بل أصبحت فجوة وعي ومعرفة وقدرة على التكيّف مع المستقبل. ولهذا فإن بناء الوعي الرقمي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية واجتماعية واقتصادية، تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، وصولًا إلى طريقة تعامل الأفراد أنفسهم مع التكنولوجيا.
ربما لم يعد السؤال اليوم: هل سندخل عصر الذكاء الاصطناعي؟ لأننا دخلناه بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل سنكون مجتمعًا يستخدم التكنولوجيا لبناء المعرفة والفرص وتعزيز الصمود، أم سنبقى مجرد مستهلكين داخل عالم يتغيّر بسرعة أكبر من قدرتنا على اللحاق به؟
* باحث ومستشار بالإعلام والتسويق الرقمي





שתף את דעתך
الذكاء الاصطناعي في فلسطين… هل نصنع المستقبل أم نستهلكه؟