شهدت الساحة السياسية التونسية تحولاً جذرياً في موازين القوى قبل إعلان الرئيس قيس سعيد عن إجراءاته الاستثنائية، حيث انتقلت المبادرة السياسية من البرلمان وحزب الأغلبية إلى مؤسسة الرئاسة. واعتبر مراقبون أن سقوط حكومة الحبيب الجملي كان بمثابة إعلان رسمي عن أزمة عميقة تضرب جذور النظام البرلماني المعدل والديمقراطية التمثيلية في البلاد.
ظهرت في تلك المرحلة تعبيرات سياسية جديدة حاولت تجاوز روح دستور 2014، ومن أبرزها مصطلح 'حكومة الرئيس' الذي مهد الطريق لتغيير قواعد اللعبة السياسية. ورغم أن هذا الانتقال كان متاحاً دستورياً، إلا أنه جاء في سياق أزمة اجتماعية واقتصادية حادة فاقمتها جائحة كورونا والانقسامات الحزبية العميقة.
جاء اختيار إلياس الفخفاخ لرئاسة الحكومة كنموذج لهذا التحول، وهو الشخصية القادمة من خلفية مهنية في شركات فرنسية عابرة للقارات مثل شركة 'توتال'. ورغم حصوله على نسبة ضئيلة جداً في الانتخابات الرئاسية، إلا أن تعيينه عكس انتقال مركز الثقل السياسي إلى قصر قرطاج بشكل كامل.
تؤكد مصادر تحليلية أن الفخفاخ يمثل 'المثقف العضوي' داخل ما يعرف بمنظومة الاستعمار الداخلي، حيث استطاع التنقل بين سرديات سياسية متناقضة. وانتهى به المطاف مديراً لشركة كبرى مملوكة لمجموعات أجنبية، مما يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الفاعل السياسي والمصالح الاقتصادية الخارجية.
إن أداء الحكومة في تلك الفترة ركز بشكل مكثف على فكرة 'الانتقال الاقتصادي' مع تهميش متعمد للأحزاب البرلمانية الكبرى وحلفائها. وكانت هذه الدعوة تجد صدى لدى الشارع المنهك اقتصادياً، لكنها في الجوهر كانت تخفي فشلاً بنيوياً في المسار الديمقراطي والسياسي العام.
يرى محللون أن نجاح المنظومة في تصعيد شخصيات بلا سند حزبي قوي كان يهدف إلى تجذير الانقسامات داخل البرلمان وشيطنة الأجسام الوسيطة. هذا المسار ساهم بفعالية في تقوية سلطة الرئيس على حساب المؤسسة التشريعية، مما مهد الطريق لإجراءات الخامس والعشرين من يوليو كضرورة سياسية.
يظل مصطلح 'منظومة الاستعمار الداخلي' غائباً بشكل لافت عن السجال العمومي التونسي، حيث يقتصر استخدامه على دوائر أكاديمية ومثقفين مستقلين. بينما تتجنب الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية الخوض في هذا المفهوم، مفضلة التركيز على أعراض الأزمات بدلاً من أسبابها البنيوية.
إن الديمقراطية التمثيلية لم تكن واقعياً إلا مجرد واجهة محسّنة من واجهات منظومة الاستعمار الداخلي التي أعطت المواطن حقاً صورياً في الاختيار.
تعتبر 'البورقيبية' في هذا السياق الأيديولوجيا التأسيسية التي استصحبتها النخب التونسية للحفاظ على استمرارية الدولة وحماية المصالح القائمة. وقد لعبت هذه الأيديولوجيا دور الضمانة الأساسية للمنظومة لإعادة التموضع والانتشار كلما واجهت أزمة شرعية أو ضغوطاً شعبية.
عندما تقبل القوى السياسية بمختلف توجهاتها، من يساريين وقوميين وإسلاميين، بالخطاب البورقيبي كإطار وحيد للشرعية، فإنها تحصر نفسها داخل سقف المنظومة. وبذلك تتحول الصراعات البينية بين هذه القوى إلى مجرد تنافس على 'الوكالة' لخدمة مصالح المركز على حساب الفئات المهمشة.
إن سردية 'تصحيح المسار' التي يتبناها النظام الحالي تطرح شعارات التحرير الوطني ومحاربة 'المال الفاسد' و'اللوبيات'. ومع ذلك، يرى نقاد أن هذه السردية لا تربط بين هذه الظواهر وبين فساد بنية الدولة الوظيفية التي بنيت على نظام ريعي وزبوني تابع للخارج.
الأجسام الوسيطة من أحزاب ومنظمات وطنية لم تنجح خلال عشرية الانتقال في تقديم بديل حقيقي، بل اكتفت بتحسين شروط الاستعباد داخل المنظومة. هذا الأداء أدى إلى تآكل شرعية الديمقراطية التمثيلية وجعلها تبدو في نظر الكثير من المواطنين كواجهة لتزييف إرادتهم.
يعود جزء كبير من قوة النظام الحالي إلى السمعة السيئة التي طالت الأحزاب السياسية خلال السنوات الماضية، وفشلها في ملامسة هموم المواطن. فقد تولد شعور عام بأن هذه الأجسام لا تخدم المصلحة الوطنية، بل تنفذ استراتيجيات محلية وخارجية تضمن بقاء منظومة الاستعمار الداخلي.
إن مواجهة هذه المنظومة تتطلب ما هو أكثر من تغيير الوجوه أو تعديل الدساتير، بل تستوجب مراجعة شاملة لخيارات الدولة التأسيسية. وبدون فك الارتباط مع التبعية الاقتصادية والثقافية، ستظل كل محاولات الإصلاح تدور في حلقة مفرغة تخدم 'السيد المحلي' ومن ورائه القوى الدولية.
في الختام، يبقى التحدي الأكبر أمام النخب التونسية هو الجرأة على طرح القضايا البنيوية للنقاش العام بعيداً عن الصراعات الهامشية. إن استعادة السيادة الوطنية الحقيقية تمر بالضرورة عبر تفكيك آليات الاستعمار الداخلي وإعادة بناء الدولة على أسس وطنية واجتماعية عادلة.





שתף את דעתך
منظومة الاستعمار الداخلي: الغائب الأكبر في السجال السياسي التونسي