دخلت الدولة اللبنانية مرحلة مفصلية من تاريخها السياسي والعسكري عبر انخراطها في مفاوضات مباشرة مع الجانب الإسرائيلي تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية. وتأتي هذه الخطوة في ظل تعقيدات ميدانية بالغة، حيث يبدي حزب الله رفضاً قاطعاً لهذا المسار ومخرجاته، معتبراً إياه انتقاصاً من السيادة اللبنانية وتراجعاً أمام الضغوط الخارجية.
تزامنت هذه التحركات الدبلوماسية مع تصعيد أمريكي لافت تمثل في فرض رزمة عقوبات واسعة شملت قيادات في حزب الله وحركة أمل، بالإضافة إلى ضباط في الجيش اللبناني والسفير الإيراني في بيروت. ويرى مراقبون أن هذه العقوبات لا تستهدف الضغط السياسي فحسب، بل تمهد الطريق لتفكيك المنظومة المالية والعسكرية المرتبطة بالحزب بشكل كامل.
وفي قراءة للمشهد التفاوضي، يشير باحثون سياسيون إلى أن لبنان دخل طاولة الحوار في واشنطن وهو مجرد من أوراق قوة أساسية، مما أدى لتقديم تنازلات متتالية دون الحصول على ضمانات أمنية. والمفارقة تكمن في أن استمرار التفاوض لم يفلح في لجم العمليات العسكرية الإسرائيلية، بل زادت وتيرة الاعتداءات تحت غطاء 'التفاوض تحت النار'.
على المقلب الآخر، يرى خبراء أن العقوبات الأمريكية الأخيرة هي جزء من استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة صياغة الواقع اللبناني بما يتجاوز مسألة نزع السلاح. فالمسار الحالي يسعى إلى تقويض النفوذ السياسي والمالي للقوى المتحالفة مع طهران، مما يضع المؤسسات اللبنانية الرسمية في مواجهة مباشرة مع تحديات البقاء والسيادة.
لبنان يعيش حالة انفصام حادة بين مشروعين لا يلتقيان، وسط خطر حقيقي يهدد تآكل الدولة ديموغرافياً وسيادياً.
وبالرغم من الضغوط، لا يزال حزب الله يراهن على قدرته على الصمود الميداني وإلحاق خسائر نوعية بالاحتلال لفرض شروطه على طاولة المفاوضات. كما تتجه الأنظار إلى نتائج الحوار الإيراني الأمريكي في إسلام أباد، حيث يأمل الحزب أن ينعكس أي تقارب إقليمي بشكل إيجابي على وضعيته الداخلية في لبنان.
إلا أن تحذيرات إعلامية برزت لتؤكد أن الرهان على تجارب سابقة مثل عامي 2000 و2006 قد يكون مضللاً في الوقت الراهن. فالتدمير الشامل للقرى الجنوبية وتهجير السكان، إلى جانب تصدع الوحدة الوطنية وغياب السند الإقليمي التقليدي، كلها عوامل تجعل من الصمود العسكري وحده خياراً محفوفاً بالمخاطر وغير كافٍ لإنقاذ البلاد.
وتتأرجح التوقعات المستقبلية للبنان بين ثلاثة سيناريوهات قاتمة، أولها فشل المفاوضات مما سيؤدي حتماً إلى انفجار عسكري واسع النطاق. أما السيناريو الثاني فيتمثل في حدوث صدام داخلي مسلح في حال وافقت الحكومة اللبنانية على اتفاقية أمنية وبدأت في تنفيذها قسراً، بينما يبقى السيناريو الثالث معلقاً بحدوث انفراجة إقليمية كبرى.
وفي الختام، يجمع المحللون على أن الخطر الوجودي الذي يواجه لبنان يتمثل في تآكل الدولة ديموغرافياً وسيادياً، خاصة مع وجود أطماع إسرائيلية تهدد مساحات شاسعة من الأراضي اللبنانية. ويعيش لبنان اليوم حالة من الانفصام السياسي بين مشروعين متناقضين، وسط إجماع عربي على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة دون التوافق على شكل العلاقة المستقبلية مع إسرائيل.





שתף את דעתך
لبنان بين مطرقة المفاوضات وسندان الصدام الداخلي: قراءة في مآلات التصعيد والعقوبات