رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 21/5/2026
تحليل إخباري
يقدّم المنسق الأممي السابق لعملية السلام في الشرق الأوسط، نيكولاي ملادينوف، الخميس إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي حول أول تقرير رسمي صادر عن ما يُعرف بـ"مجلس السلام"، الهيئة التي جرى تشكيلها مطلع العام الجاري ضمن المبادرة الأميركية الخاصة بترتيبات وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار في غزة.
لكن التقرير، الذي يُفترض أنه يهدف إلى تقييم تنفيذ اتفاق التهدئة وإعادة الإعمار، أثار منذ تسريب مضمونه انتقادات واسعة، بعدما بدا وكأنه يحمّل الفلسطينيين، وتحديداً حركة حماس، المسؤولية الأساسية عن تعثر الاتفاق، في مقابل تجاهل شبه كامل للدور الإسرائيلي والأميركي في استمرار الحرب والانهيار الإنساني في القطاع.
وبحسب المعلومات المتداولة قبيل جلسة مجلس الأمن، يركز التقرير على ما يصفه بـ"رفض حماس التخلي عن سلاحها" باعتباره العقبة الرئيسية أمام تنفيذ خطة إعادة الإعمار والانتقال السياسي في غزة. كما يدعو المجلس الدولي إلى ممارسة ضغوط علنية على الحركة للقبول بآلية “نزع سلاح خاضعة للتحقق الدولي”، باعتبار ذلك شرطاً مسبقاً لأي تقدم اقتصادي أو سياسي.
ويأتي التقرير في وقت لا تزال فيه غزة تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخها الحديث، وسط استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وتدمير البنية التحتية، وتقييد دخول المساعدات، وتفاقم المجاعة والنزوح الجماعي. ومع ذلك، لا يمنح التقرير – وفق التسريبات – مساحة جدية لمساءلة إسرائيل عن هذه الوقائع، بل يتعامل معها باعتبارها “تحديات ميدانية” مرتبطة بالوضع الأمني.
وكان "مجلس السلام" قد أُنشئ ضمن إطار رعته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، باعتباره هيئة دولية لمتابعة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، والإشراف على إعادة إعمار غزة، وترتيبات الحكم الانتقالي. إلا أن منتقدين اعتبروا منذ البداية أن المجلس صُمم بطريقة تمنح الولايات المتحدة وإسرائيل اليد العليا في تحديد مستقبل القطاع، مع تهميش فعلي للفلسطينيين أنفسهم ولمؤسسات الأمم المتحدة التقليدية.
ويرى مراقبون أن التقرير الأول للمجلس يكشف بوضوح طبيعة المقاربة السياسية التي تحكم عمله؛ إذ يختزل الأزمة في قضية "سلاح حماس"، بينما يتجنب الخوض في جذور الصراع المتعلقة بالاحتلال والاستيطان والحصار والحرب المستمرة على الفلسطينيين.
يعكس التقرير محاولة متعمدة لإعادة صياغة الرواية السياسية للحرب، بحيث تتحول إسرائيل من قوة احتلال متهمة بارتكاب انتهاكات واسعة النطاق إلى طرف يسعى إلى “الاستقرار والأمن”، بينما يُقدَّم الفلسطينيون باعتبارهم العقبة الأساسية أمام السلام. هذه المقاربة لا تتجاهل فقط حجم الدمار والقتل الذي تعرض له المدنيون في غزة، بل تسعى عملياً إلى تجريم حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، وتحويل المأساة الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي لفرض شروط إسرائيلية وأميركية تحت عنوان إعادة الإعمار والاستقرار.
اللافت في التقرير أنه يتحدث بإسهاب عن ضرورة "نزع السلاح"، لكنه يكاد يتجنب أي حديث عن وقف الاحتلال أو إنهاء الحصار أو محاسبة إسرائيل على تدمير غزة. هذا الاختلال لا يبدو عرضياً، بل يعكس بنية سياسية كاملة تحاول إعادة تعريف السلام باعتباره استسلاماً فلسطينياً كاملاً للشروط الإسرائيلية. فبدلاً من معالجة جذور الصراع، يجري التركيز على إدارة نتائجه أمنياً، بما يحول الأمم المتحدة من منصة يفترض أن تدافع عن القانون الدولي إلى جهة تمنح غطاءً دبلوماسياً لموازين القوة التي تفرضها واشنطن وتل أبيب.
إن أخطر ما في "مجلس السلام" لا يتمثل فقط في مضمونه السياسي، بل في كونه محاولة لتجاوز المؤسسات الدولية التقليدية واستبدالها بهيكل أقرب إلى منصة سياسية تقودها الولايات المتحدة بما يخدم الرؤية الإسرائيلية للحرب وما بعدها. فالمجلس، كما يظهر من تقريره الأول، لا يتعامل مع الفلسطينيين كشعب يمتلك حقوقاً وطنية وسياسية، بل كملف أمني وإنساني يحتاج إلى “إدارة وضبط”. ومن هنا، تبدو فكرة السلام المطروحة أقرب إلى مشروع لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني تحت الإشراف الأميركي والإسرائيلي، وليس مساراً حقيقياً لتحقيق العدالة أو إنهاء الاحتلال.





שתף את דעתך
مجلس الأمن أمام أول اختبار لـ"مجلس السلام": تقرير يحمّل الفلسطينيين المسؤولية ويمنح إسرائيل غطاءً سياسياً