كشفت تقارير صحفية دولية عن طبيعة موازين القوى داخل الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مشيرة إلى أن عملية صنع القرار لم تعد محصورة في شخص واحد، بل باتت تخضع لهيمنة نخبة ضيقة من كبار قادة الحرس الثوري. هؤلاء القادة، الذين ارتبطت مسيراتهم المهنية بجبهات القتال منذ ثمانينيات القرن الماضي، يشكلون اليوم النواة الصلبة التي تدير شؤون البلاد السياسية والأمنية.
وأوضحت المصادر أن مجتبى خامنئي، الذي خلف والده في قيادة الدولة، يعتمد بشكل أساسي على هذه المجموعة المتماسكة من الجنرالات الحاليين والسابقين. ورغم بلوغه السادسة والخمسين من عمره، إلا أن الخبراء يرون أن نفوذه يستمد قوته من التحالف الوثيق مع قادة 'جيل الحرب' الذين يمتلكون رؤية متشددة تجاه استمرار الثورة ومواجهة الضغوط الخارجية.
ويبرز اسم محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الحالي، كأحد أهم الشخصيات في هذا المشهد، حيث يجمع بين الخلفية العسكرية كقائد سابق للقوات الجوية والخبرة السياسية كعمدة سابق لطهران. ويُنظر إلى قاليباف كحلقة وصل براغماتية بين النخبة العسكرية والمجال الدبلوماسي، خاصة بعد الأنباء التي تحدثت عن مفاوضات مباشرة أجراها مع الجانب الأمريكي في باكستان مؤخراً.
في المقابل، يبرز أحمد وحيدي كقوة عسكرية ضاربة، حيث تولى قيادة الحرس الثوري في آذار/ مارس الماضي عقب اغتيال سلفه في غارات جوية. وحيدي، الذي كان أول قائد لفيلق القدس، يمتلك تاريخاً طويلاً في العمل الاستخباراتي وتأسيس الفصائل الحليفة في المنطقة، مما يجعله ركيزة أساسية في الاستراتيجية الدفاعية والهجومية لإيران.
أما على صعيد القمع الداخلي والسيطرة القانونية، فيظهر غلام حسين محسني إجي، رئيس السلطة القضائية، كشخصية لا تهاون فيها. عُرف إجي باستخدامه الصارم للمحاكم لقمع أي تحركات معارضة، وقد ارتبط اسمه بموجات الإعدام الأخيرة التي استهدفت المشاركين في الاحتجاجات المناهضة للحكومة، مما عزز من سطوة النظام الأمنية.
ولا يمكن تجاوز دور حسين طائب، الذي ترأس جهاز المخابرات التابع للحرس الثوري لسنوات طويلة قبل أن ينتقل إلى أدوار استشارية. طائب، المقرب جداً من مجتبى خامنئي، يُعد من أكثر الشخصيات إثارة للجدل نظراً لأساليبه القاسية في إدارة ملفات التجسس وملاحقة مزدوجي الجنسية، وهو ما جعله هدفاً دائماً للانتقادات الدولية والحقوقية.
وفي الجانب العسكري الاستراتيجي، يبرز اللواء محمد علي جعفري، الذي قاد الحرس الثوري لأكثر من عقد من الزمان. يُنسب لجعفري الفضل في تطوير 'استراتيجية الفسيفساء' التي تعتمد على القيادة اللامركزية، وهي الخطة التي مكنت القوات الإيرانية من الحفاظ على تماسكها رغم فقدان العديد من القادة الكبار في الحرب الدائرة حالياً.
السيطرة لا تتحقق من خلال الحرس الثوري كمنظمة فحسب، بل عبر جماعة متماسكة من المقاتلين الذين صهرتهم تجربة الحرب مع العراق.
كما دخل محمد باقر ذو القدر إلى دائرة الضوء بقوة بعد تعيينه أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لعلي لاريجاني. ذو القدر، الذي شغل مناصب رفيعة في وزارة الداخلية والحرس الثوري، يتولى الآن مهمة حساسة تتمثل في ضمان التناغم التام بين الأجهزة العسكرية والقضائية والسياسية تحت مظلة أمنية واحدة.
ويرى محللون سياسيون أن هذه 'الأخوّة' العسكرية والأمنية استطاعت عبر أربعين عاماً من التغلغل في مفاصل الدولة، تحويل الحرس الثوري من منظمة عسكرية إلى كيان يدير الاقتصاد والسياسة الخارجية. هذا الاندماج جعل من الصعب الفصل بين المصالح العسكرية للدولة وبين توجهاتها السياسية في المحافل الدولية.
وتشير المصادر إلى أن الخبرة المشتركة لهؤلاء القادة في حرب الثمان سنوات مع العراق قد ولدت لديهم قناعة راسخة بضرورة الاعتماد على الذات وتطوير قدرات ردع مستقلة. هذه العقيدة هي التي تدفعهم اليوم للتمسك بمواقفهم المتشددة، معتبرين أن أي تراجع قد يؤدي إلى انهيار المنظومة التي ساهموا في بنائها منذ عقود.
ورغم التنافس الصامت الذي قد ينشأ بين هذه الشخصيات القوية، إلا أن الخوف من الاستهداف الخارجي، خاصة بعد سلسلة الاغتيالات الأخيرة، دفعهم إلى مزيد من التكتل والصمت. هذا الغموض يحيط بعملية اتخاذ القرار في طهران، ويجعل من الصعب على القوى الدولية التنبؤ بالخطوات القادمة للنظام الإيراني.
ويعتقد خبراء في شؤون الشرق الأوسط أن الهيمنة الاستخباراتية لهذه النخبة هي السر وراء عدم انهيار الحكومة رغم الضربات الموجعة التي تلقتها. فامتلاكهم لمعلومات دقيقة حول كافة الفاعلين السياسيين، بمن فيهم الإصلاحيون والمتشددون، منحهم القدرة على المناورة والسيطرة على أي بوادر للانشقاق الداخلي.
إن التحول الذي شهدته إيران بعد غياب المرشد السابق يظهر بوضوح أن السلطة لم تعد تتركز في 'كاريزما' الفرد، بل في 'مؤسساتية' النخبة العسكرية. هذه النخبة التي ترى في مجتبى خامنئي واجهة شرعية لمشروعها، بينما تحتفظ هي بمفاتيح القوة الفعلية والقرار النهائي في القضايا المصيرية.
ختاماً، يبقى التساؤل حول مدى قدرة هذه المجموعة على الصمود أمام التحديات الاقتصادية المتزايدة والضغوط العسكرية المباشرة. فبينما ينجحون في إحكام القبضة الأمنية، تواجه استراتيجيتهم اختبارات عسيرة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالمنطقة وتستهدف هيكلية قيادتهم بشكل مباشر.





שתף את דעתך
نخبة الحرس الثوري: من هم الرجال الذين يديرون دفة القرار في إيران؟