حين تدخل الحركات الوطنية معترك الانتخابات الداخلية، فإنها لا تدخل ساحة مثالية تحكمها الرمزية النضالية وحدها، بل تخوض عملية سياسية وتنظيمية معقدة تتداخل فيها موازين القوى، وشبكات التأثير، والتحالفات الداخلية، إلى جانب التاريخ الكفاحي والرصيد الوطني. وهذا ما ينطبق بصورة واضحة على انتخابات حركة فتح، التي شكّلت على الدوام انعكاساً لتركيبة الحركة وتعقيداتها، لا مجرد منافسة بين أفراد أو أسماء.
لقد اعتاد جزء من الجمهور الفتحاوي التعامل مع نتائج المؤتمرات التنظيمية بوصفها استفتاءً أخلاقياً على تاريخ المناضلين، بينما الحقيقة أن العمل التنظيمي تحكمه عوامل أكثر تعقيداً من معيار التضحية وحده. فكم من قامات وطنية صنعت تاريخ الحركة وقدّمت أعمارها في السجون والمخيمات والميدان، لكنها لم تصل إلى مواقع القيادة العليا، ليس انتقاصاً من قيمتها أو دورها، وإنما لأن السياسة — حتى داخل حركات التحرر — تخضع لتوازنات القوة والحضور والتنظيم والتحالفات.
وفي المقابل، فإن وصول شخصيات إلى اللجنة المركزية أو المجلس الثوري لا يعني بالضرورة أنها أقل نضالاً أو حضوراً وطنياً، بل إن كثيراً ممن وصلوا هم أيضاً أبناء الميدان والأسر والمخيمات، ودفعوا أثماناً حقيقية في مسيرة الكفاح الوطني. ومن هنا، فإن اختزال المشهد بمنطق المنتصر والمهزوم، أو تحويل خيبة البعض إلى حالة تشكيك شاملة بكل العملية الانتخابية، لا يخدم الحركة بقدر ما يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام والإضعاف الداخلي.
النقد حق، بل ضرورة سياسية وتنظيمية، وكذلك مراجعة أي تجاوزات أو اختلالات قد تكون رافقت العملية الانتخابية، لكن الفرق كبير بين النقد بهدف الإصلاح، وبين هدم الشرعية التنظيمية بسبب الإحباط الشخصي أو الاصطفاف الفئوي. فالحركات الوطنية لا تنهار فقط بسبب أعدائها، بل أحياناً بسبب عجزها عن إدارة اختلافاتها الداخلية بعقل سياسي ومسؤولية تاريخية.
وإذا ما نظرنا إلى حجم التغيير الذي شهدته بنية القيادة، سواء في اللجنة المركزية أو المجلس الثوري، فإننا أمام تحول لا يمكن تجاهله. فدخول وجوه جديدة، وحضور أوسع للأسرى المحررين، ولشخصيات تمتلك خبرة وكفاءة وطنية، قد يعكس وجود رغبة داخل القاعدة التنظيمية في تجديد أدوات الحركة وإعادة إنتاج قيادتها. وهذا بحد ذاته مؤشر يستحق التوقف عنده، حتى وإن لم يكن كافياً وحده لإحداث التحول المطلوب.
غير أن التحدي الحقيقي لا يبدأ عند إعلان النتائج، بل بعدها. لأن قيمة أي قيادة لا تُقاس بعدد الأصوات التي حصلت عليها، بل بقدرتها على استعادة ثقة الناس، وتصحيح المسار، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني في لحظة فلسطينية هي من الأخطر والأكثر تعقيداً منذ عقود.
فالقيادة الجديدة مطالبة اليوم بأن تدرك أن شرعيتها الحقيقية لا تأتي فقط من صناديق الاقتراع، وإنما من قدرتها على معالجة الملفات التي أخفقت القيادات السابقة في التعامل معها. وفي مقدمة هذه الملفات، تأتي قضية الوحدة الوطنية، التي لم تعد ترفاً سياسياً أو شعاراً خطابياً، بل ضرورة وجودية لشعب يواجه مشروعاً استعمارياً يعمل على تفكيكه جغرافياً وسياسياً واجتماعياً.
كما أن إعادة الاعتبار لحركة فتح تتطلب مراجعة عميقة لعلاقتها مع قواعدها التنظيمية وجماهير الشعب الفلسطيني، بعد سنوات من التراجع وفقدان الثقة واتساع الفجوة بين القيادة والشارع. ولا يمكن استعادة هذا الدور دون ترميم العلاقة مع العمق العربي والإسلامي، وإعادة تقديم الحركة بوصفها حركة تحرر وطني لا مجرد سلطة تدير أزمة.
وفي قلب هذه المسؤولية، تبرز ضرورة تجديد العهد مع الشهداء والجرحى والأسرى، ليس عبر الخطابات العاطفية، بل من خلال حماية حقوقهم القانونية والمعنوية والمادية، وصون كرامتهم باعتبارهم جوهر الرواية الوطنية الفلسطينية.
أما قطاع غزة، الذي دفع أثماناً كارثية من الدم والحصار والتجويع والدمار، فلا يجوز أن يبقى ملفاً مؤجلاً أو ورقة للمناكفات الداخلية. فالمطلوب مراجعة حقيقية لكل السياسات والإجراءات التي عمّقت معاناة أهلنا هناك، والعمل على إعادة بناء العلاقة الوطنية مع غزة باعتبارها جزءاً أصيلاً من الجسد الفلسطيني لا عبئاً سياسياً عليه.
وفي السياق ذاته، لا يمكن لأي عملية إصلاح أن تنجح دون مواجهة جادة للفساد، ومحاسبة من أساؤوا استخدام السلطة والنفوذ، لأن الشعوب قد تتحمل الفقر والحصار، لكنها تفقد ثقتها عندما تغيب العدالة ويتحول النفوذ إلى بديل عن القانون.
كما أن التعامل مع قضايا الأسرى المحررين والمبعدين يجب أن يكون أولوية وطنية وأخلاقية، خاصة فيما يتعلق بالإقامة والعلاج والسكن والحياة الكريمة، فهم لم يكونوا عبئاً على الوطن، بل كانوا في طليعة من دفعوا أثمان الحرية.
ورغم كل التعقيدات، فإن دخول عدد كبير نسبياً من الأسرى المحررين وأصحاب الكفاءة والخبرة الوطنية إلى مؤسسات الحركة، قد يشكل فرصة حقيقية لإحداث تحول داخلي، إذا ما تم استثمار هذا الحضور بروح العمل الجماعي والشراكة والمسؤولية، بعيداً عن الحسابات الضيقة ومراكز النفوذ التقليدية.
فالمطلوب اليوم ليس مجرد تغيير أسماء، بل إنتاج عقل سياسي جديد يعيد للحركة روحها ودورها التاريخي، ويوقف حالة التآكل والانحدار، تمهيداً للانطلاق نحو مرحلة إعادة البناء الوطني والتنظيمي.
إن أبناء الحركة، وجمهور الشعب الفلسطيني، لا ينتظرون مزيداً من الشعارات، بل خطوات ملموسة تعيد الاعتبار لفكرة العدالة والشراكة والتضحية التي قامت عليها فتح. فإن امتلكت القيادة الجديدة شجاعة الإصلاح والمصارحة، وخرجت من أسر الحسابات الشخصية، فقد يكون بالإمكان وقف الانهيار وفتح نافذة أمل جديدة.
أما إذا استمرت إدارة الحركة بالعقلية ذاتها، وبمنطق المصالح ومراكمة النفوذ وإدارة الأزمة بدل معالجتها، فإن التاريخ لن يكون رحيماً، وقد يسجل أن هذه المرحلة لم تكن بداية الإنقاذ، بل اللحظة التي فقدت فيها الحركة قدرتها على الاستمرار كقوة وطنية جامعة، وأن من كان يفترض بهم إنقاذها، كانوا — عن قصد او عجز شهوداً ع موتها
ה 21 מאי 2026 1:37 pm - שעון ירושלים





שתף את דעתך
بين شرعية الانتخابات ومسؤوليةالإنقاذ: هل تملك فتح فرصة أخيرة لإعادة بناء ذاتها؟