سلط تقرير دولي حديث الضوء على ظاهرة نزوح واسعة النطاق للأجانب الأثرياء من مدينة دبي، وذلك في أعقاب تصاعد المخاطر الأمنية الناتجة عن المواجهات العسكرية الإقليمية. وأشار التقرير إلى أن المزايا التقليدية التي كانت تجذب رؤوس الأموال، مثل غياب الضرائب والرفاهية العالية، باتت تتراجع أمام مخاوف سقوط الصواريخ والطائرات المسيرة.
كانت دبي تمثل وجهة مثالية للموظفين الأجانب والمستثمرين بفضل مدارسها الخاصة المتميزة وشواطئها الجاذبة، فضلاً عن القوانين المرنة التي تسمح بنمط حياة متحرر. وقد أتاح هذا المناخ للصينيين العاملين في العملات الرقمية والأوليغارشيين الروس الاختلاط بالمصرفيين الغربيين ورواد الأعمال الإسرائيليين في بيئة استثمارية واحدة.
تغيرت هذه المعادلة بعد مرور عدة أشهر على اندلاع الصراع العسكري، حيث باتت التهديدات الإيرانية تطال المنشآت الحيوية والأبراج السكنية في الإمارات. وقد سجلت المصادر وقوع هجمات استهدفت محطة الطاقة النووية الوحيدة في البلاد خلال شهر مايو الماضي، مما أثار ذعراً في أوساط المقيمين الأجانب.
رغم نجاح أنظمة الدفاع الجوي في اعتراض معظم الهجمات، إلا أن الكثير من المقيمين فضلوا عدم الانتظار والمغادرة فوراً نحو وجهات أكثر أماناً. وقد رصدت تقارير حركة نزوح عبر الرحلات الجوية المتجهة إلى أوروبا وأمريكا، بينما اختار البعض الهروب براً باتجاه سلطنة عمان كطريق بديل.
تشير التقديرات إلى أن الإمارات كانت تضم نحو 4 ملايين من الأثرياء الأجانب وعائلاتهم قبل اندلاع الأزمة، من بينهم أكثر من 240 ألف مليونير. وتعتبر دبي اليوم المرشحة الأكبر لخسارة هؤلاء المستثمرين، حيث ارتفعت الاستفسارات حول وجهات بديلة للإقامة بنسبة تجاوزت 40% في الأسابيع الأخيرة.
أفادت مصادر متخصصة في شؤون الهجرة والاستثمار أن أكثر من 35 دولة تتنافس حالياً لجذب هؤلاء الأثرياء الفارين من الشرق الأوسط. وتبرز دول مثل نيوزيلندا ومالطا وجزر المالديف كخيارات مطروحة، حيث تقدم برامج إقامة دائمة مقابل استثمارات مالية ضخمة في قطاعات العقارات والشركات.
دخلت تركيا على خط المنافسة عبر تقديم إعفاءات ضريبية مغرية تصل إلى 20 عاماً على الدخل والأرباح الرأسمالية لبعض الفئات من الأجانب. وقد بدأت هذه السياسة تؤتي ثمارها بالفعل مع حصول عدد من المستثمرين على الجنسية التركية مقابل شراء عقارات منذ بداية العمليات العسكرية.
كلما طال أمد الحرب زادت احتمالات أن يترك الوافدون دبي نهائيًا بحثاً عن أماكن أقل سخونة وأكثر استقراراً.
تبرز مدينة ميلانو الإيطالية كواحدة من أكثر الوجهات تفضيلاً للأثرياء المغادرين من دبي، نظراً لما توفره من حوافز ضريبية وشبكات أعمال واسعة. وأكد خبراء قانونيون في إيطاليا أن الطلبات تحولت من مجرد إيجارات مؤقتة إلى خطط استثمارية طويلة الأمد تشمل نقل العائلات والأعمال.
توفر ميلانو، بوصفها عاصمة للموضة والمال، نظاماً ضريبياً يسمح للأثرياء بدفع مبلغ سنوي ثابت قدره 300 ألف يورو على كامل دخلهم الأجنبي. هذا النظام جذب صناديق تحوط أمريكية كبرى لافتتاح مكاتب هناك، مما مكن المتداولين من الاستفادة من المناخ المعتدل والمدارس الدولية المرموقة.
بالنسبة للمستثمرين من خارج الاتحاد الأوروبي، تمنح إيطاليا حق الإقامة مقابل استثمار مبالغ تبدأ من 250 ألف يورو في الشركات الناشئة. كما يمكن الحصول على الإقامة عبر التبرع لجمعيات خيرية أو شراء سندات حكومية، مما يجعلها خياراً مرناً للأثرياء الذين يبحثون عن الاستقرار القانوني.
في القارة الآسيوية، تظهر سنغافورة كبديل قوي بفضل نظامها القانوني المستقر وبنيتها التحتية المتطورة لإدارة الثروات. وقد سجلت البنوك الكبرى في سنغافورة زيادة ملحوظة في تدفقات الأموال القادمة من دبي، تزامناً مع تضاعف واردات الذهب من الإمارات أربع مرات خلال الأشهر الماضية.
أبدى الأثرياء الصينيون والهنود اهتماماً متزايداً بمغادرة الشرق الأوسط والعودة إلى سنغافورة، ومن أبرزهم الملياردير الهندي موكيش أمباني. ويرى مراقبون أن صورة سنغافورة المنضبطة باتت ميزة تنافسية في ظل الاضطرابات الأمنية التي تشهدها منطقة الخليج العربي حالياً.
رغم هذه الجاذبية، تواجه ميلانو وسنغافورة تحديات قد تحد من تدفق الأثرياء، حيث تفرض سنغافورة ضرائب دخل ورسوماً مرتفعة على العقارات للأجانب. كما أن القوانين الصارمة لمكافحة غسل الأموال جعلت المصارف السنغافورية أكثر حذراً في استقبال التحويلات الضخمة القادمة من دبي.
ختاماً، يرى خبراء إدارة الثروات أن بعض الاستثمارات، خاصة في مجال العملات الرقمية، قد تظل في الشرق الأوسط لصعوبة نقلها إلى بيئات رقابية مشددة. ومع ذلك، يظل عامل الوقت هو الحاسم؛ فكلما استمرت الحرب، زادت رغبة الوافدين في بناء حياة جديدة في مناطق أكثر استقراراً وبعداً عن خطوط النار.





שתף את דעתך
نزوح رؤوس الأموال من دبي: الحرب تدفع الأثرياء للبحث عن ملاذات آمنة في أوروبا وآسيا