واشنطن – سعيد عريقات 21/5/2026
كشفت وثيقة دبلوماسية أميركية مسرّبة عن ضغوط تمارسها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على القيادة الفلسطينية لسحب ترشح مندوب فلسطين الدائم لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، لمنصب نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، ملوّحة بإجراءات عقابية قد تصل إلى سحب تأشيرات أعضاء البعثة الفلسطينية في نيويورك.
وبحسب برقية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية بتاريخ 19 أيار، ومصنفة "حساسة وغير سرية" وفق ما أفادته الإذاعة الوطنية العامة، إن.بي. آر ، فقد طُلب من الدبلوماسيين الأميركيين في القدس ممارسة ضغوط مباشرة على مسؤولين فلسطينيين هذا الأسبوع لدفعهم إلى التخلي عن الترشح، بحجة أن منصور "له تاريخ في اتهام إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية"، وأن توليه منصباً رفيعاً في الجمعية العامة "سيؤجج التوترات ويقوض خطة ترمب للسلام في غزة".
وتضمنت البرقية لغة اعتبرها مراقبون تهديدية، إذ أشارت إلى أن “الكونغرس سيتعامل بجدية شديدة” مع استمرار الترشح الفلسطيني، مضيفة أن “إعادة النظر في الإعفاءات الخاصة بالتأشيرات تبقى خياراً متاحاً”.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه الساحة الدولية انقساماً حاداً بشأن الحرب الإسرائيلية على غزة، بينما تحاول السلطة الفلسطينية تعزيز حضورها الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة، مستفيدة من التعاطف الدولي الواسع مع المدنيين الفلسطينيين بعد شهور طويلة من الحرب والدمار.
وفي رسالة نصية لمراسل جريدة القدس، نفى السفير الفلسطيني الدائم لدى الأمم المتحدة، رياض منصور، صحة هذا الكلام مشيرا إلى أن البعثة الأميركية لدى الأمم المتحدة نفت صحة هذا الكلام أيضا.
وبحسب الإذاعة، رفض مكتب الرئيس الفلسطيني محمود عباس التعليق على مضمون البرقية، في حين لم تصدر وزارة الخارجية الأميركية أي توضيح رسمي بشأن التسريبات.
سابقة دبلوماسية غير معهودة
ويقول دبلوماسيون سابقون إن التهديد بسحب تأشيرات بعثة دبلوماسية معتمدة لدى الأمم المتحدة يُعد خطوة غير مسبوقة في العلاقات الأميركية الفلسطينية. فعلى الرغم من معارضة الإدارات الأميركية المتعاقبة، الجمهورية والديمقراطية، لمحاولات الفلسطينيين توسيع تمثيلهم الدولي، فإن اللجوء إلى ورقة التأشيرات ضد بعثة أممية كاملة يثير تساؤلات قانونية وسياسية واسعة.
وكانت إدارة ترمب قد منعت العام الماضي عدداً من كبار المسؤولين الفلسطينيين، بمن فيهم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، من الحصول على تأشيرات لدخول الولايات المتحدة قبيل اجتماعات الجمعية العامة، لكنها امتنعت حينها عن المساس بالبعثة الفلسطينية لدى الأمم المتحدة.
وفي هذا السياق، اعتبر المسؤول الأميركي السابق المختص بالشأن الفلسطيني، هادي عمرو في تصريح للإذاعة، أن التهديد باستخدام القيود على التأشيرات "نادر للغاية" ولا يُستخدم عادة إلا في حالات قصوى تتعلق بالتجسس أو التدخلات الأمنية.
وأضاف أن "طرد الدبلوماسيين أو تقييد عملهم يقوض قدرة الدول على حل النزاعات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية".
وكان منصور قد سحب في شهر شباط الماضي ترشحه لرئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد ضغوط أميركية مماثلة، وفقاً لما ورد في البرقية المسرّبة.
وقد رحب مندوب إسرائيل لدى الأمم المتحدة، داني دانون، بالقرار، معتبراً أن الترشح الفلسطيني كان "محاولة لتحويل الجمعية العامة إلى سيرك سياسي ضد إسرائيل".
وتعكس تصريحات دانون حجم القلق الإسرائيلي من تصاعد الحضور السياسي الفلسطيني داخل أروقة الأمم المتحدة، خصوصاً بعد الخطابات المؤثرة التي ألقاها منصور خلال الحرب على غزة، والتي حظيت بتفاعل واسع داخل المنظمة الدولية وخارجها.
ومن المقرر إجراء انتخابات نواب رئيس الجمعية العامة في الثاني من حزيران المقبل، حيث تضم قائمة المرشحين عن مجموعة آسيا والمحيط الهادئ دولاً عدة بينها أفغانستان والعراق ومنغوليا وفلسطين.
وتخشى واشنطن، بحسب البرقية، من "سيناريو أسوأ" يتمثل في تكليف مسؤول فلسطيني بإدارة جلسات أممية رفيعة المستوى تتناول الحرب في غزة أو السياسات الإسرائيلية.
خطابات إنسانية أثارت غضب واشنطن وتل أبيب
وبرز اسم رياض منصور بقوة خلال الشهور الماضية بسبب خطابه العاطفي داخل الأمم المتحدة، خصوصاً عندما انهار باكياً خلال جلسة في أيار 2025 وهو يتحدث عن الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا في الغارات الإسرائيلية على غزة.
وقال حينها: "هؤلاء أطفال… أطفال"، بينما كان يطرق الطاولة بقبضته متأثراً بمشاهد الأمهات وهن يحتضنّ أبناءهن القتلى.
كما دعا في آب 2025 إلى وقف إطلاق النار باعتباره "الطريق الوحيد لإنقاذ الإسرائيليين والفلسطينيين معاً"، مؤكداً أن استمرار القتل "ليس قدراً محتوماً".
ويرى مراقبون أن هذه الخطابات ساهمت في إحراج إسرائيل دبلوماسياً، خاصة مع تزايد الاتهامات الدولية بشأن الانتهاكات الإنسانية السافرة في غزة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يفسر الحساسية الأميركية والإسرائيلية تجاه أي دور أممي أوسع لمنصور.
وتكشف الضغوط الأميركية على البعثة الفلسطينية عن تناقض واضح بين الخطاب الأميركي حول حرية العمل الدبلوماسي وبين الممارسة الفعلية عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية. فواشنطن التي تدافع باستمرار عن "النظام الدولي القائم على القواعد" تبدو مستعدة لاستخدام أدوات الهجرة والتأشيرات لمعاقبة ممثلين دبلوماسيين بسبب مواقف سياسية داخل الأمم المتحدة. هذا السلوك لا يضعف فقط صورة الولايات المتحدة كوسيط دولي، بل يعزز أيضاً الانطباع السائد عالمياً بأن الإدارة الأميركية تتعامل مع المؤسسات الدولية باعتبارها ساحة لحماية إسرائيل سياسياً، لا فضاءً مستقلاً للنقاش والتمثيل الدبلوماسي المتوازن.
ويعكس القلق الإسرائيلي والأميركي من صعود الحضور الفلسطيني في الأمم المتحدة إدراكاً متزايداً بأن المعركة الحقيقية لم تعد عسكرية فقط، بل أخلاقية وإعلامية أيضاً. فخطابات رياض منصور المؤثرة، وخاصة المتعلقة بالأطفال والضحايا المدنيين، نجحت في نقل المأساة الفلسطينية إلى الرأي العام العالمي بلغة إنسانية مباشرة يصعب احتواؤها بالدعاية التقليدية. ولهذا تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تقليص مساحة هذا الصوت داخل المنابر الدولية، خشية أن يتحول التعاطف الشعبي العالمي إلى ضغط سياسي وقانوني متزايد على إسرائيل في المحافل الدولية.
كما تعكس هذه الأزمة أيضاً هشاشة العلاقة بين السلطة الفلسطينية وإدارة ترمب، التي أعادت منذ عودتها إلى البيت الأبيض تبني سياسة الضغط القصوى على الفلسطينيين سياسياً ودبلوماسياً. فبدلاً من الدفع نحو عملية سياسية حقيقية أو وقف الحرب في غزة، تبدو الأولوية الأميركية منصبة على ضبط الخطاب الفلسطيني ومنع أي تحرك قد يمنح الفلسطينيين زخماً رمزياً داخل الأمم المتحدة. غير أن هذه السياسة قد تأتي بنتائج عكسية، إذ تمنح الدبلوماسية الفلسطينية مزيداً من التعاطف الدولي، وتُظهر الفلسطينيين كطرف يتعرض للعقاب حتى داخل المؤسسات متعددة الأطراف المفترض أنها تمثل المجتمع الدولي بأسره.





שתף את דעתך
واشنطن تهدد بسحب تأشيرات البعثة الفلسطينية في الأمم المتحدة