تتجلى في الواقع السوري المعاصر أطروحات الفيلسوفة جوديث بتلر حول قدرة السلطة على تحديد الأرواح التي تستحق أن يُحداد عليها، حيث لم يعد الموت مجرد غياب جسدي، بل أصبح خاضعاً لعمليات فرز وتصنيف قاسية. فالضحية السورية تواجه مصيراً مزدوجاً، يبدأ بالانتهاك المباشر وينتهي بتحويل مأساتها إلى وقود في حرب سرديات لا تنتهي، تخدم أطرافاً سياسية متعددة.
شهدت الأسابيع الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في تداول روايات عبر منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن اختفاء نساء وحالات اختطاف وانتهاكات في مناطق سورية مختلفة. هذه الموجات من الخوف الجماعي لم تكن مجرد انعكاس لواقع أمني متردٍ، بل اختلطت فيها الحقائق بالشائعات، مما فتح الباب أمام استعراض إعلامي وتجييش طائفي واسع النطاق.
في ظل غياب المعلومات الرسمية الواضحة والشفافة، يتحول الخوف بحد ذاته إلى مادة دسمة للاستثمار السياسي، حيث تُساق النساء السوريات إلى معارك التحريض والكراهية. هذا التوظيف يحول أجساد النساء ومعاناتهن إلى أدوات لتبادل الاتهامات بين الأطراف المتصارعة، بعيداً عن جوهر القضية الحقوقية والإنسانية التي تمس كرامة الإنسان.
إن المشكلة الأعمق التي تواجه السوريين اليوم لا تقتصر على صحة رواية بعينها، بل تكمن في العجز الجماعي عن الشعور بالأمان الحقيقي داخل وطنهم. لقد نجحت سنوات الحرب الطويلة في تدمير البنى التحتية، لكن الأثر الأكثر تدميراً كان في تقويض الثقة المتبادلة بين الأفراد، وفقدان الإيمان بفكرة الدولة كحامية للجميع.
يعرف السوريون الذين عايشوا ويلات النزاع أن الرعب لم يكن يوماً انتقائياً بناءً على الهوية الطائفية قبل اقتحام البيوت، فالخوف لم يميز بين امرأة وأخرى حين تحول الجسد لوسيلة إذلال. ومع ذلك، يصر جزء كبير من الخطاب الإعلامي والسياسي الحالي على تقسيم الضحايا إلى فئات متفاوتة القيمة الأخلاقية بناءً على الانتماء الجغرافي أو السياسي.
هذا التقسيم القسري للضحايا يدفع ببعض القصص الإنسانية إلى الظل لأنها ببساطة لا تخدم السردية السياسية السائدة أو لا تنسجم مع المزاج العام الموجه. إن هذا السلوك يعكس أزمة أخلاقية كبرى، حيث يتم التعامل مع الألم السوري كمزاد مفتوح للمزايدات، بدلاً من كونه قضية عدالة شاملة لا تتجزأ.
إن طرح هذه المعضلات لا يهدف بأي حال من الأحوال إلى إنكار مخاوف العائلات السورية أو التقليل من خطورة الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في ظل الفوضى. بل هو صرخة لرفض تحويل هذا الألم إلى مادة جاهزة لإشعال الفتن الطائفية أو التحريض الجماعي الذي لا يخدم سوى استمرار دوامة العنف.
الضحية في سوريا لا تموت مرة واحدة، بل مرتين: مرة حين تُقتل أو تُهان، ومرة ثانية حين يبدأ فرز الألم وتصنيف المآسي وفقاً للمصالح السياسية.
تكمن الأزمة الحقيقية في البيئة التي جعلت من العنف أمراً اعتيادياً ومن الإفلات من العقاب قاعدة راسخة في التعامل اليومي، مما أدى لترسيخ الخوف كجزء أصيل من الحياة. وعندما يصبح الظلم هو السائد، فإن ذلك يؤذن بخراب العمران كما أشار ابن خلدون، حيث يبدأ الخراب الحقيقي حين يفقد الناس ثقتهم في حماية القانون.
العدالة في المنظور السوري الحالي تبدو متغيرة ومتحورة تتبع هوية الضحية وانتماءها، وهو ما يمثل واحدة من أقسى المآسي التي خلفها الصراع المستمر منذ سنوات. لم يخسر السوريون بيوتهم وأحبتهم فحسب، بل أُجبروا على الاختلاف حتى في حقهم الطبيعي في الحزن والمطالبة بالإنصاف والمحاسبة.
إن ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة الحرجة ليس مزيداً من الاستثمار في خوف النساء، ولا فتح أسواق جديدة للمزايدات الطائفية التي تزيد من تمزيق النسيج الاجتماعي. الحاجة الملحة تكمن في استعادة المعنى البسيط والجوهري لفكرة الدولة، تلك المؤسسة التي يجب أن ترى الإنسان كقيمة عليا قبل أي اعتبار آخر.
الدولة المنشودة هي التي تحمي مواطنيها بعيداً عن حسابات الكراهية والاستغلال السياسي، وتضمن ألا تتحول مآسي النساء إلى مجرد أرقام أو أدوات في صراع القوى. إن استعادة الأمان تتطلب بناء منظومة قانونية وأخلاقية لا تميز بين الضحايا، وتضع حداً لسياسة الإفلات من العقاب التي دمرت المجتمع.
إن استمرار التعامل مع قضايا الانتهاكات بمنطق 'الاستثمار' يعزز من حالة الانقسام ويجعل من الوصول إلى سلم مجتمعي أمراً بعيد المنال في المستقبل القريب. يجب أن يكون صوت الضحية مسموعاً لذاته، ولأجل تحقيق العدالة لها، وليس لكون قصتها تدعم موقفاً سياسياً ضد طرف آخر في النزاع.
في نهاية المطاف، يبقى الرهان على وعي السوريين بضرورة رفض تسييس المعاناة الإنسانية، والتمسك بحق الجميع في الأمان والكرامة دون قيد أو شرط. إن الطريق نحو التعافي يبدأ من الاعتراف بأن كل روح سورية تستحق الحداد، وأن كل انتهاك هو جريمة بحق المجتمع بأسره بغض النظر عن هوية الجاني أو الضحية.
إن بناء مستقبل سوري مستقر يتطلب تجاوز خطاب الكراهية والتحريض، والعمل على خلق بيئة تحترم حقوق الإنسان وتصون كرامة النساء بعيداً عن التجاذبات السياسية. فالأمان ليس مجرد غياب للحرب، بل هو وجود قانون يحمي الجميع ويمنع تحويل المآسي الشخصية إلى أدوات في صراعات السلطة.





שתף את דעתך
النساء السوريات في مهب الاستثمار السياسي: صراع السرديات وتوظيف الألم