لم يكن ما جرى فوق سطح مبنى بلدية الخليل التاريخي حدثًا عابرًا أو تفصيلًا هندسيًا يمكن المرور عليه بصمت، بل هو مشهد يحمل في داخله رسائل سياسية خطيرة، ويعكس مرحلة جديدة من محاولات فرض السيطرة على البلدة القديمة ومؤسساتها الوطنية الفلسطينية.
فالاحتلال حين يقتحم مبنى بلدية تاريخيًا، ويغلقه بقرار عسكري، ثم يسمح لاحقًا للمستوطنين بالصعود إلى سطحه والبناء فوقه تحت حماية قواته، فهو لا يتعامل مع المكان باعتباره مجرد عقار أو مبنى إداري، بل باعتباره هدفًا سياسيًا ورمزيًا يسعى للسيطرة عليه وإعادة تشكيل هويته ووظيفته وواقعه.
ما يجري اليوم ليس قضية “سطح مبنى”، بل محاولة بناء فوق السيادة الفلسطينية، وفوق الذاكرة الوطنية، وفوق حضور المدينة التاريخي والمؤسساتي داخل البلدة القديمة.
الاحتلال يدرك جيدًا أن البلدة القديمة في الخليل ليست مجرد أحياء سكنية، بل عنوان للوجود الفلسطيني المتجذر، وأن مبنى البلدية التاريخي يمثل رمزًا للهوية الإدارية والوطنية والخدماتية للمدينة، ولذلك فإن استهدافه بهذا الشكل يحمل أبعادًا تتجاوز المكان نفسه.
في السنوات الأخيرة، لم تعد أدوات السيطرة تقتصر على الحواجز العسكرية والإغلاقات، بل انتقلت إلى مرحلة أخطر تقوم على فرض الوقائع التدريجية:
حفريات هنا، ومصادرة هناك، واستيلاء على بيت، ثم السيطرة على سطح أو نقطة مرتفعة، إلى أن يتحول الأمر الواقع المؤقت إلى وجود دائم تحرسه القوة العسكرية وتحاول السياسة شرعنته لاحقًا.
والأخطر من ذلك أن الاحتلال يختبر دائمًا رد الفعل الفلسطيني:
هل سيكون صامتًا؟
هل سيبقى في حدود البيانات؟
هل سيتحول الاعتياد على الانتهاك إلى أمر طبيعي؟
لذلك فإن المعركة اليوم ليست فقط على مبنى بلدية، بل على الإرادة السياسية والوطنية في الدفاع عن المدينة ومؤسساتها وحقها في البقاء.
إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُقرأ ضعفًا فقط، بل يُستغل كمساحة إضافية للتوسع وفرض السيطرة، بينما المطلوب هو موقف وطني ومؤسساتي جامع يؤكد أن الخليل ليست مدينة بلا أصحاب، وأن مؤسساتها ليست متروكة للاستباحة.
ومن هنا، فإن المواجهة لا يجب أن تكون انفعالية أو موسمية، بل منظمة ومستمرة، تبدأ بالمسار القانوني عبر ملاحقة هذا الاعتداء أمام كافة الجهات الممكنة، وتمر عبر التوثيق الإعلامي والحقوقي، ولا تنتهي عند بناء حالة شعبية ووطنية تحمي البلدة القديمة وتعزز صمود أهلها ومؤسساتها.
كما أن إعادة فتح مبنى البلدية القديم وإعادة الخدمات البلدية إليه يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية ومؤسساتية، لأن بقاء المؤسسات الفلسطينية داخل البلدة القديمة هو جزء أساسي من معركة الصمود والوجود.
إن الاحتلال لا يبني فقط فوق سطح مبنى…
بل يحاول البناء فوق الرواية الفلسطينية نفسها.
لكن الخليل التي حافظت على هويتها رغم الحصار والاستيطان والاقتحامات، قادرة أيضًا على حماية ذاكرتها ومؤسساتها وحقها التاريخي في مدينتها.
فالمعركة على البلدة القديمة ليست معركة حجارة وأسقف فقط، بل معركة وجود وهوية وسيادة ووعي وطني يجب أن يبقى حاضرًا في كل مرحلة من مراحل الصراع المفتوح.





שתף את דעתך
مبنى البلدية القديم في الخليل… قراءة في أخطر مراحل الاستهداف