سعت القمة الأخيرة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ إلى إعادة صياغة العلاقات الدبلوماسية بين القوتين العظميين، بهدف الوصول إلى حالة من الاستقرار الاستراتيجي. وأكد الرئيس الصيني أن بلاده تنظر إلى هذا المبدأ كدليل توجيهي للسنوات المقبلة، ما يفتح الباب أمام منافسة محكومة بضوابط تمنع التصادم المباشر، لا سيما في مجالات التكنولوجيا الحساسة مثل الذكاء الاصطناعي.
وحصل الزعيم الصيني خلال اللقاء على اعتراف ضمني بمكانة بلاده كقوة مساوية للولايات المتحدة، وهو ما يمهد الطريق لتمديد هدنة الرسوم الجمركية التي بدأت في أكتوبر الماضي. ويرى مراقبون أن بكين تستخدم هذا الاستقرار لتعزيز استقلالها التكنولوجي والعلمي، انطلاقاً من رؤية استراتيجية تعتبر الصعود الصيني ضرورة تاريخية تقابل ما تصفه بالتراجع التدريجي للنفوذ الأمريكي عالمياً.
وفي ملف تايوان الشائك، حاول الجانب الصيني انتزاع تعهدات بتقليص الدعم العسكري الأمريكي لتايبيه أو الحصول على موقف علني ضد استقلال الجزيرة. إلا أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قطع الطريق أمام هذه الطموحات، مؤكداً أن السياسة الأمريكية تجاه تايوان ثابتة ولن تتغير، ومحذراً من أن أي محاولة صينية لاستخدام القوة ستؤدي إلى تداعيات عالمية كارثية تؤثر على البلدين.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أعلن الرئيس ترامب عن تفاهمات تجارية واسعة تشمل التزام الصين بشراء كميات ضخمة من فول الصويا ومنتجات الطاقة الأمريكية. كما تضمنت الصفقة موافقة بكين على شراء مائتي طائرة من شركة بوينغ، بالإضافة إلى إعادة تفعيل تراخيص مئات المسالخ الأمريكية التي كانت معطلة بسبب النزاعات التجارية السابقة، مما يعكس رغبة في تخفيف الاحتقان الاقتصادي.
وفي سياق متصل، كشفت تقارير عن استئناف شركة 'إنفيديا' الأمريكية لمحادثاتها مع جهات صينية لتزويدها بشرائح 'إتش مائتين' المتطورة، وهي خطوة تعكس حاجة بكين للتكنولوجيا الأمريكية المتقدمة. وتزامن ذلك مع وعود قدمها شي لرجال الأعمال المرافقين لترامب بفتح الأسواق الصينية بشكل أكبر وتوفير فرص استثمارية أوسع للشركات الأمريكية في المرحلة المقبلة.
الصعود الصيني حتمية تاريخية تتزامن مع التراجع الأمريكي، والاستقرار يخدم غرض التحصن للعبة طويلة الأمد.
وأثارت زيارة إريك ترامب، نجل الرئيس الأمريكي، إلى الصين تساؤلات واسعة حول طبيعة الدور الذي يلعبه في هذه التفاهمات، حيث أشارت تقارير صحفية إلى احتمالية انخراطه في صفقات تجارية. ورغم نفيه لهذه الأنباء وتأكيده أن الزيارة ذات طابع شخصي بحت، إلا أن توقيت وجوده في بكين بالتزامن مع القمة أثار جدلاً سياسياً وإعلامياً حول تداخل المصالح الشخصية بالسياسة الرسمية.
من جانبه، كشف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن خطة لإنشاء مجلسين مشتركين للتجارة والاستثمار، تهدف إلى خفض الرسوم الجمركية على منتجات صينية غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار. وتأتي هذه الخطوة مقابل تعهد الصين بزيادة وارداتها من النفط والغاز الأمريكي، في محاولة واشنطن لتقليل الاعتماد الصيني على مصادر الطاقة الإيرانية وتضييق الخناق الاقتصادي على طهران.
وفيما يخص أمن الملاحة الدولية، أفادت مصادر من البيت الأبيض بأن الزعيم الصيني أبدى توافقاً مع واشنطن بشأن ضرورة بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة التجارة العالمية. كما أعرب شي عن معارضته لامتلاك إيران أسلحة نووية، إلا أن البيانات الرسمية الصينية ظلت حذرة واكتفت بالإشارة إلى استقرار الشرق الأوسط دون تسمية إيران بشكل مباشر، مما يثير شكوكاً حول مدى انخراط بكين الفعلي في هذا الملف.
واختتمت التقارير بالإشارة إلى تعهدات صينية بعدم تزويد إيران بمعدات عسكرية إضافية، وهو ما اعتبره ترامب نجاحاً دبلوماسياً، رغم تحذيرات أجهزة الاستخبارات الأمريكية. وتؤكد هذه التحذيرات أن شركات صينية قد تحاول الالتفاف على هذه التعهدات عبر تصدير المعدات من خلال دول ثالثة، مما يكشف عن هشاشة التفاهمات الأمنية واستمرار أزمة الثقة بين واشنطن وبكين.





שתף את דעתך
قمة ترامب وشي: تفاهمات اقتصادية هشة وملفات عالقة بانتظار الحسم