كشفت تقارير صحفية دولية عن توجه تركي جديد لإعادة صياغة المناهج الدراسية الرسمية، في خطوة تعكس تحولات عميقة في السياسة الخارجية والتوجهات الأيديولوجية لأنقرة. وأعلن وزير التعليم التركي، يوسف تكين، عن تبني أسلوب مبتكر في تدريس مادتي التاريخ والجغرافيا، يتماشى مع مفاهيم القومية التركية الشاملة والرؤية المناهضة للاستعمار التي تتبناها الحكومة الحالية.
وبموجب هذه التعديلات الجوهرية، ستختفي مصطلحات تاريخية وجغرافية استقرت لعقود في الكتب المدرسية، ليحل محلها مسميات تعبر عن الهوية الوطنية الصرفة. ومن أبرز هذه التغييرات استبدال مصطلح 'آسيا الوسطى' بكلمة 'تركستان'، وتحويل مسمى 'بحر إيجه' إلى 'بحر الجزر'، في إشارة واضحة إلى الرغبة في فك الارتباط بالمصطلحات ذات الجذور اليونانية أو الغربية.
ولم تقتصر التعديلات على الجغرافيا، بل امتدت لتشمل قراءة التاريخ، حيث تم استبدال 'الحروب الصليبية' بمصطلح 'الهجمات الصليبية'. كما تقرر تغيير وصف 'الاكتشافات الجغرافية الكبرى' ليصبح 'بداية الحقبة الاستعمارية'، وهو ما يراه المسؤولون الأتراك تصحيحاً لرؤية تاريخية كانت متمركزة حول الذات الأوروبية وتجاهلت حقوق الشعوب الأخرى.
وجاء إعلان الوزير تكين خلال مؤتمر 'رمضان في قلب التعليم' الذي عُقد في مسجد تشامليجا بإسطنبول، مما أعطى للقرار صبغة رمزية تتقاطع فيها النزعة القومية المحافظة مع توجهات الدولة. وبرر الوزير هذه الخطوات بالتغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، مؤكداً أن حماية الأجيال القادمة من التأثيرات الخارجية تتطلب ترسيخ وعي قومي صلب.
وأوضح تكين أن مصطلح 'الحروب الصليبية' لا ينسجم مع خصوصية اللغة التركية ودلالاتها التاريخية، حيث أن كلمة 'حملة' غالباً ما تحمل معنى إيجابياً في الوجدان الشعبي. وبما أن النظرة للصليبيين في التاريخ التركي سلبية تماماً، فقد وجد التربويون ضرورة في استخدام وصف 'هجمات' لضمان دقة التعبير عن الواقعة التاريخية من منظور وطني.
ويرى مراقبون أن استبدال 'آسيا الوسطى' بمصطلح 'تركستان' يحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الحدود التركية لتصل إلى فضاء الاتحاد السوفييتي السابق. وتعكس هذه الخطوة رغبة أنقرة في تعزيز نفوذها الثقافي والسياسي في المناطق التي تقطنها شعوب ذات أصول تركية، معتبرة إياها 'أرض الأتراك' بالمعنى الواسع للكلمة.
أما التعديل المتعلق بـ 'بحر الجزر' بدلاً من 'بحر إيجه'، فيعد الأكثر حساسية نظراً لارتباطه المباشر بالنزاعات الحدودية والسيادية مع اليونان. ويعود اسم 'إيجه' إلى أساطير يونانية قديمة، بينما يمثل 'بحر الجزر' مصطلحاً تركياً خالصاً ينسجم مع العقيدة البحرية الجديدة التي تسعى الدولة لترسيخها في وعي الطلاب.
إن القوى الإمبريالية تراقب تركيا عن كثب، مما يجعل ترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز الوعي القومي لدى الأجيال الجديدة أولوية ملحّة.
وتتقاطع هذه التوجهات مع رؤى استراتيجية طرحها قادة عسكريون سابقون، مثل الأدميرال جيم غوردينيز، الذي يرى أن تركيا قوة أوراسية مستقلة. وتدعو هذه الرؤية إلى ضرورة تعزيز السيادة التركية على المساحات البحرية المحيطة بها، والاعتماد على القدرات الذاتية بعيداً عن مظلة حلف شمال الأطلسي 'الناتو'.
وفي الجانب الآخر، أثارت هذه التحركات موجة من الغضب في الأوساط السياسية اليونانية، حيث اعتبرتها أثينا تهديداً لمسار التقارب الدبلوماسي بين البلدين. وأكدت مصادر رسمية يونانية أن أي إجراءات أحادية الجانب تتخذها أنقرة في قضايا دولية مشتركة لن تحظى بأي شرعية أو أثر قانوني على المستوى العالمي.
ووصف وزير الخارجية اليوناني، جورجوس جيرابتريتيس، تبني أنقرة لهذه العقيدات التعليمية والسياسية بأنه 'أمر مؤسف للغاية'. وأشار في تصريحات صحفية إلى أن هذه الخطوات قد تقوض الجهود التي بذلت خلال السنوات الثلاث الماضية لتخفيف حدة التوتر في منطقة شرق المتوسط وضمان الاستقرار الإقليمي.
وتشير التقارير إلى أن حزب العدالة والتنمية الحاكم يعتزم تحويل هذه الرؤى التعليمية إلى مشاريع قوانين تعزز السيادة البحرية والقومية. ويعكس هذا النهج المتشدد في السياسة الخارجية رغبة تركية في إعادة تعريف دورها الإقليمي كقوة مهيمنة قادرة على فرض سرديتها الخاصة للتاريخ والجغرافيا.
ويرى خبراء تربويون أن إعادة صياغة المناهج هي أداة قوية في يد الحكومة لتشكيل هوية الجيل القادم بما يتوافق مع رؤية 'قرن تركيا'. ومن المتوقع أن تثير هذه الكتب المدرسية الجديدة نقاشات واسعة داخل تركيا وخارجها، خاصة في ظل التجاذبات السياسية المستمرة بين التيارات العلمانية والمحافظة.
وخلصت التحليلات إلى أن تصريحات وزير التعليم التركي تعد مؤشراً واضحاً على مرحلة جديدة من المواجهة الثقافية والسياسية مع القوى الدولية. فمن خلال تغيير المسميات، تسعى أنقرة إلى بناء جدار صد فكري يحمي هويتها الوطنية من التذويب في القوالب الغربية الجاهزة، معلنة بذلك بداية حقبة جديدة من الاعتزاز بالذات التركية.





שתף את דעתך
تركيا تعيد صياغة مناهجها الدراسية: 'تركستان' بدلاً من آسيا الوسطى و'بحر الجزر' عوضاً عن إيجه