تحل الذكرى الثامنة والسبعون للنكبة الفلسطينية لتؤكد حقيقة تاريخية مفادها أن ما حدث عام 1948 لم يكن مجرد واقعة زمنية انتهت بمرور الوقت. إنها مسار ممتد من الألم الممنهج ومحاولات اقتلاع الوجود الفلسطيني من أرضه بأساليب تتغير وجوهها ويبقى جوهرها الإحلالي ثابتاً.
بدأت الحكاية بنكبة الاقتلاع الكبرى في عام 1948، حيث واجه الفلسطينيون تهجيراً قسرياً ومجازر وحشية أدت إلى ضياع الحيز الوطني الأول. لم يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل تجدد في عام 1956 عبر عدوان استهدف غزة وسيناء، مما كرس سياسة الاستهداف التي لا تعرف حدوداً.
جاءت نكسة عام 1967 لتمثل نكبة ثانية، حيث احتُل ما تبقى من الأرض الفلسطينية واتسعت رقعة الشتات والمنافي. هذه المحطة أضافت أعباءً جديدة على الذاكرة الفلسطينية المثقلة باللجوء، ووضعت الشعب أمام تحديات وجودية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.
في السبعينيات، واجه الوجود الفلسطيني نكبات في ساحات اللجوء، بدأت بأحداث عام 1970 التي أفقدت العمل الوطني ركيزة عربية هامة. ثم تلتها ويلات الحرب الأهلية اللبنانية في عامي 1975 و1976، حيث دفع الفلسطينيون أثماناً باهظة في أزقة الغربة والدم المهدور.
تظل مجزرة تل الزعتر عام 1976 واحدة من أقسى محطات الوجع في الذاكرة الفلسطينية الجماعية داخل مخيمات الشتات. لقد كانت تعبيراً صارخاً عن حجم الاستهداف الذي يلاحق اللاجئ الفلسطيني حتى في أماكن نزوحه القسري بعيداً عن دياره.
شهد عام 1982 اجتياح لبنان والخروج المر للمقاومة من بيروت، وهو ما مهد الطريق لفاجعة صبرا وشاتيلا الكبرى. هذه المجازر لم تكن مجرد حوادث قتل، بل كانت محاولة لكسر الإرادة السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني في المنفى.
إن شعباً قدم هذا الكم الأسطوري من التضحيات، وصمد أمام تتابع هذه النكبات، لا يمكن أن يُختزل في هزيمة عابرة.
استمرت المعاناة في منتصف الثمانينيات عبر ما عُرف بحرب المخيمات عام 1984، حيث فُرض الحصار والتجويع على اللاجئين. وجد الفلسطيني نفسه يدفع ثمن لجوئه المتكرر، في ظل صمت دولي وتواطؤ إقليمي زاد من قسوة العيش في المخيمات.
على الصعيد السياسي، يُنظر إلى اتفاق أوسلو عام 1993 بوصفه نكبة سياسية أدت إلى تجزئة الأرض والتفريط في الحقوق الأساسية. هذا المسار رسخ واقعاً يفتقر للسيادة الحقيقية وحول القضية من تحرر وطني إلى إدارة ذاتية تحت هيمنة الاحتلال.
تفاقمت الأزمة السياسية مع بدء التنسيق الأمني عام 1994، الذي خلق شرخاً في النسيج الوطني الفلسطيني. وباتت ملاحقة الفلسطيني لأخيه الفلسطيني تحت ذرائع أمنية تخدم مصالح الاحتلال، واحدة من أعمق الجراح في الجسد الفلسطيني المعاصر.
منذ عام 2006، دخل قطاع غزة في نكبة ممتدة عبر حصار خانق وعقاب جماعي لم يسبق له مثيل في التاريخ الحديث. هذا الحصار الذي يجري أمام سمع العالم وبصره، يهدف إلى كسر إرادة الصمود وتحويل حياة الملايين إلى جحيم مستمر.
في الضفة الغربية والقدس، تستمر النكبة الصامتة من خلال التوسع الاستيطاني الذي يلتهم الأرض ساعة بساعة. إن سياسة قضم الأراضي وتهويد المعالم تهدف إلى خلق واقع جغرافي يستحيل معه إقامة دولة فلسطينية متصلة أو استعادة الحقوق.
وصلت المأساة إلى ذروتها في عام 2023 مع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، والتي فاقت في بشاعتها كل التصورات. هذا الفصل الدموي يمثل محاولة صريحة للمحو والتهجير القسري المتكرر، لكنه يصطدم بصمود أسطوري يرفض الانكسار أو التنازل عن الهوية.





שתף את דעתך
78 عاماً على النكبة: مسار متواصل من الاقتلاع وصمود لا ينكسر