ש 16 מאי 2026 8:48 am - שעון ירושלים

الموضوع لا يتعلق بالخراف


د. إبراهيم نعيرات

في الظاهر، تبدو الحكاية صغيرة إلى حد لا يستحق كل هذا القلق: مستوطنون يسرقون الأغنام في بعض قرى الضفة الغربية، يعتدون على الرعاة، أو يمنعونهم من الوصول إلى المراعي. أخبار تتكرر حتى كادت تتحول إلى مشهد اعتيادي في نشرات الأخبار، تمر سريعًا ثم تختفي وسط ضجيج الحرب والسياسة. لكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالخراف أبدًا. فحين تُقرأ هذه الحوادث ضمن السياق الأوسع لما يجري في الضفة الغربية، تبدو وكأنها جزء من سياسة أعمق بكثير، سياسة تقوم على دفع الفلسطيني تدريجيًا نحو الانفجار.

الخروف هنا ليس الهدف، بل الإنسان الذي يملكه. والمرعى ليس مجرد مساحة عشبية، بل آخر ما تبقى للفلسطيني من قدرة على البقاء فوق أرضه. في القرى الفلسطينية، خاصة في الأغوار وجنوب الخليل والتلال المعزولة، لا تشكل الأغنام مجرد مصدر رزق، بل تمثل حياة كاملة: الطعام، والدخل، والاستقرار، والشعور بأن لهذه العائلة مكانًا ما يزال قادرًا على الصمود. ولذلك فإن استهداف الرعاة وسرقة القطعان ليس فعلًا عشوائيًا أو جنائيًا معزولًا، بل جزء من عملية استنزاف طويلة تهدف إلى جعل الحياة الفلسطينية مستحيلة.

تبدأ العملية دائمًا بطريقة تبدو صغيرة وغير مثيرة للاهتمام. بؤرة استيطانية تظهر فوق تل قريب. طريق ترابي يُغلق. راعٍ يُمنع من الوصول إلى عين ماء. ثم تتصاعد الأمور: اعتداءات، تهديدات، إطلاق نار في الهواء، سرقة للمواشي، وحضور دائم للمستوطن المسلح بوصفه صاحب السلطة الفعلية في المكان. ومع الوقت، لا يعود الفلسطيني يخسر أرضًا أو مالًا فقط، بل يخسر الإحساس الطبيعي بالأمان. تصبح حياته كلها قائمة على التوتر والخوف والانتظار.

لكن ما يجعل الصورة أكثر خطورة أن هذه الاعتداءات لا تبدو منفصلة عن المناخ السياسي الذي تعيشه المنطقة منذ الحرب على غزة. هناك شعور متزايد بأن بعض القوى داخل إسرائيل ترى في اللحظة الحالية فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الضفة الغربية بالكامل، مستفيدة من انشغال العالم، والفوضى الإقليمية، وحالة الانهيار التي يعيشها النظام الدولي نفسه. وكأن الزمن تحول إلى عنصر في المعركة، سباق محموم لفرض وقائع جديدة قبل أن تتغير الظروف.

في هذا السياق، يصبح الاستفزاز سياسة قائمة بذاتها. الفلسطيني لا يُدفع فقط إلى التعب أو الإحباط، بل إلى لحظة الغضب القصوى. كل شيء يبدو وكأنه يتحرك في الاتجاه نفسه: الاقتحامات المتكررة، التوسع الاستيطاني، الإذلال اليومي على الحواجز، التضييق الاقتصادي، واعتداءات المستوطنين التي تتم غالبًا بلا محاسبة حقيقية. وحتى المسجد الأقصى لم يعد خارج هذه المعادلة، مع تصاعد الاقتحامات والاستفزازات التي يقودها سياسيون متطرفون مثل إيتمار بن غفير، في مشهد يبدو أقرب إلى اختبار دائم للأعصاب الفلسطينية.

وربما هنا تحديدًا تكمن الفكرة الأخطر: ليس فقط السيطرة على الفلسطيني، بل دفعه إلى الانفجار الكبير. فبعض التيارات اليمينية داخل إسرائيل تبدو وكأنها تراهن على انتفاضة فلسطينية شاملة، انتفاضة يخرج فيها الشارع كله دفعة واحدة، بما يسمح لاحقًا بتبرير رد فعل إسرائيلي أكثر عنفًا وجذرية. أي أن الانفجار نفسه قد يتحول إلى الأداة التي تُستخدم لإعادة رسم الواقع السياسي والأمني في الضفة الغربية.

لأن أي انتفاضة واسعة اليوم لن تشبه ما سبقها. المنطقة تغيرت، والعنف أصبح أكثر تدميرًا، وما حدث في غزة كشف إلى أي حد يمكن أن تذهب الحرب الحديثة حين تُرفع القيود السياسية والإنسانية. ولهذا، فإن انفجار الضفة الغربية قد يفتح الباب أمام مرحلة قاسية للغاية، ليس فقط على مستوى المواجهة مع إسرائيل، بل على مستوى الداخل الفلسطيني نفسه.

فالضفة اليوم تعيش فوق توازن هش. اقتصاد متعب، مدن مكتظة، مجتمع مرهق نفسيًا، وسلطة فلسطينية تواجه أزمة ثقة وشرعية منذ سنوات. وأي انفجار شامل قد يدفع هذا البناء كله نحو الانهيار. السلطة الفلسطينية نفسها قد تصبح في مهب الريح، غير قادرة على ضبط الشارع أو حتى الحفاظ على وجودها السياسي والإداري. وعندها قد تجد إسرائيل نفسها أمام واقع جديد تعتبره أكثر ملاءمة لمشاريعها: غياب أي شريك فلسطيني منظم، وتحول الضفة إلى مساحة مفتوحة لإدارة أمنية مباشرة ووقائع استيطانية متسارعة.

المفارقة القاسية أن الفلسطيني، وهو يحاول الدفاع عن نفسه، قد يجد نفسه في لحظة ما يدمر ما تبقى له أيضًا. فالانتفاضات لا تنتج فقط صور البطولة والمقاومة، بل تفتح أبواب الفوضى والاستنزاف والانهيار الاقتصادي والاجتماعي. وفي واقع هش أصلًا، قد تكون الكلفة هذه المرة أكبر من قدرة المجتمع الفلسطيني على الاحتمال.

ولهذا فإن سرقة الغنم ليست حادثة هامشية كما تبدو في ظاهرها، بل نافذة صغيرة على معركة أكبر بكثير. معركة لا تدور فقط حول الأمن أو الحدود، بل حول إعادة تشكيل الإنسان الفلسطيني نفسه: دفعه نحو اليأس، أو الرحيل، أو الانفجار. وفي كل الحالات، تكون النتيجة واحدة تقريبًا؛ فلسطيني يعيش تحت ضغط دائم، وأرض يجري تغيير ملامحها ببطء، حتى يصبح الواقع الجديد أمرًا عاديًا بعد سنوات من الاعتياد على الألم.

وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما في المشهد هو العنف ذاته، بل الطريقة التي يتحول بها هذا العنف إلى سياسة طويلة النفس، تُدار بالتدريج، وتُنفذ على أعصاب الناس وحياتهم اليومية، بينما يقف العالم متفرجًا على حكاية يظن أنها بدأت بخروف… لكنها في الحقيقة تتعلق بوطن كامل.


תגים

שתף את דעתך

الموضوع لا يتعلق بالخراف

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.