واشنطن – سعيد عريقات-15/5/2026
تحليل إخباري
في تطور يعكس تصاعد الجدل الأخلاقي والسياسي حول دور شركات التكنولوجيا الكبرى في الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين، طُرد ألون حيموفيتش، المدير العام لفرع شركة "مايكروسوفت Microsoft" في إسرائيل، من منصبه بعد تحقيق داخلي تناول استخدام منصة "أزور" للحوسبة السحابية من قبل وحدة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "8200" في عمليات مراقبة جماعية للفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة. ويأتي هذا التطور في وقت تتعرض فيه شركات التكنولوجيا الغربية لضغوط متزايدة بسبب تعاونها مع المؤسسات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وسط اتهامات بتسهيل انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن حيموفيتش، الذي قاد عمليات مايكروسوفت في إسرائيل لأربع سنوات، سيغادر منصبه فيما ستُنقل صلاحيات الإشراف الإداري إلى فرع الشركة في فرنسا. كما غادر عدد من المسؤولين في قسم الحوكمة داخل مايكروسوفت إسرائيل، على خلفية مخاوف من احتمال خرقهم مدونة السلوك الأخلاقي الخاصة بالشركة، في مؤشر على عمق الأزمة التي فجرتها التحقيقات الداخلية.
وكانت مايكروسوفت قد فتحت تحقيقاً العام الماضي عقب تقارير كشفت أن وحدة "8200"، الذراع الأكثر تطوراً في منظومة التجسس الإسرائيلية، استخدمت منصة "أزور" لتخزين وتحليل كميات هائلة من الاتصالات الفلسطينية المعترضة. ووفق المعلومات المتداولة، فإن النظام كان قادراً على جمع وتحليل "مليون مكالمة في الساعة"، في إطار مشروع مراقبة جماعية استهدف الحياة اليومية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
وتشير وثائق مسربة إلى أن حيموفيتش لعب دوراً محورياً في توثيق العلاقة بين مايكروسوفت ووحدة "8200"، خصوصاً بعد اجتماع جمع المدير التنفيذي للشركة ساتيا ناديلا بقيادة الوحدة الاستخبارية عام 2021. وشمل التعاون إنشاء مساحة معزولة داخل البنية السحابية لـ"أزور" لتخزين المواد الاستخبارية الحساسة، قبل أن تبدأ الوحدة بنقل أرشيف واسع من الاتصالات الفلسطينية اليومية إلى خوادم مايكروسوفت.
وفي أعقاب التحقيق، خلصت الشركة، وفق تقارير صحفية، إلى أن استخدام وحدة "8200" لخدماتها خالف شروط الاستخدام التي تحظر توظيف التكنولوجيا في تسهيل المراقبة الجماعية للمدنيين. وعلى إثر ذلك، أوقفت مايكروسوفت وصول الوحدة إلى خدماتها السحابية والمنتجات المرتبطة بالمشروع الاستخباري.
غير أن القضية تتجاوز حدود الخلاف الإداري داخل شركة تقنية كبرى، لتفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين شركات التكنولوجيا الغربية والمؤسسات العسكرية الإسرائيلية. فمنذ سنوات، تحولت الشركات العملاقة في وادي السيليكون إلى شريك أساسي في بنية السيطرة الرقمية الحديثة، عبر توفير أدوات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، وهي تقنيات باتت جزءاً لا يتجزأ من منظومات الحرب والمراقبة.
وفي هذا السياق، ترى حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات "بي دي إس
"أن مايكروسوفت تُعد" من أكثر شركات التكنولوجيا تواطؤاً" مع ما تصفه بـ"نظام الفصل العنصري الإسرائيلي" والحرب على غزة. وتؤكد الحركة أن الشركات التقنية لم تعد مجرد مزود محايد للخدمات، بل أصبحت طرفاً مباشراً في بنية الهيمنة الرقمية التي تُستخدم ضد الفلسطينيين.
ويعكس هذا الجدل تحوّلاً عالمياً في النظرة إلى التكنولوجيا، التي لم تعد تُقدَّم باعتبارها أداة للاتصال والتطوير فقط، بل أيضاً كوسيلة للسيطرة الأمنية وإدارة السكان تحت الاحتلال. فالمراقبة الرقمية الواسعة لم تعد نشاطاً هامشياً، وإنما أصبحت جزءاً من العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث تُستخدم البيانات الشخصية والاتصالات اليومية لرسم خرائط اجتماعية وسياسية كاملة للمجتمع الفلسطيني، بما يسمح بتعقب الأفراد وتحليل العلاقات وتوقع أنماط السلوك.
وفي قراءة أعمق، تكشف القضية عن التناقض البنيوي داخل الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان والخصوصية الرقمية. فالشركات ذاتها التي ترفع شعارات حماية البيانات وحرية الأفراد في أوروبا والولايات المتحدة، تجد نفسها متورطة في مشاريع مراقبة كثيفة عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين. هذا التناقض يعزز الاتهامات بازدواجية المعايير، ويطرح تساؤلات حول حدود المسؤولية الأخلاقية للشركات العابرة للقارات، خاصة حين تتحول التكنولوجيا إلى أداة لإدامة الاحتلال وإحكام السيطرة على شعب خاضع للحصار والمراقبة الدائمة.
كما تعكس استقالة حيموفيتش تصاعد القلق داخل المؤسسات التكنولوجية نفسها من التداعيات القانونية والسياسية لمثل هذه الشراكات. فمع تنامي الضغوط الحقوقية والإعلامية، باتت الشركات تخشى على صورتها العالمية وأسواقها الدولية، خصوصاً في ظل تنامي حملات المقاطعة والاحتجاج داخل أوساط الموظفين والمساهمين. وقد شهدت السنوات الأخيرة احتجاجات متكررة من موظفين في شركات كبرى ضد العقود المبرمة مع الجيش الإسرائيلي، معتبرين أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تُستخدم في تسهيل الانتهاكات الجماعية أو دعم أنظمة المراقبة القمعية.
وفي المحصلة، لا تبدو قضية مايكروسوفت مجرد حادثة إدارية عابرة، بل علامة على مرحلة جديدة من الصراع حول أخلاقيات التكنولوجيا وحدود تورط الشركات الرقمية في النزاعات السياسية والعسكرية. فكلما اتسعت قدرة الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية على اختراق الحياة اليومية، ازداد الجدل حول من يملك هذه الأدوات، وكيف تُستخدم، ومن يدفع الثمن الحقيقي لتحول العالم إلى فضاء مُراقَب ومُدار بخوارزميات عملاقة لا تخضع غالباً لأي مساءلة سياسية أو إنسانية حقيقية. وفي قلب هذا الجدل، تبرز غزة بوصفها المثال الأكثر قسوة على الكلفة البشرية لهذا التواطؤ التقني، حيث تتحول التكنولوجيا، التي يُفترض أن تخدم الإنسان، إلى أداة تُستخدم في إدارة الحرب وتعميق الحصار وتكريس التفوق العسكري ضد شعب أعزل يواجه القتل والدمار والتجويع بصورة يومية
وفي بُعدٍ أكثر خطورة، لا يمكن فصل هذا التعاون التكنولوجي عن حجم الدمار الإنساني الهائل الذي تعرض له الفلسطينيون، ولا سيما في غزة، حيث تحولت التكنولوجيا الحديثة إلى جزء من ماكينة الحرب والإبادة. فأنظمة المراقبة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد أدوات أمنية، بل أصبحت تُستخدم لتحديد الأهداف وتعقب الأفراد ورسم خرائط المجتمع الفلسطيني بأكمله تحت القصف والحصار. وبينما تُسوّق شركات التكنولوجيا نفسها باعتبارها رموزاً للتقدم والابتكار، يجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة منظومة رقمية تُسهم في تعميق القتل الجماعي والتشريد والتجويع والتدمير المنهجي للبنية المدنية. وهكذا، باتت الخوارزميات والخوادم السحابية جزءاً من واقع دموي يطاول الإنسان الفلسطيني في حياته اليومية ومستقبله وحقه الأساسي في البقاء.





שתף את דעתך
مايكروسوفت ووحدة "8200".. حين تتحول التكنولوجيا إلى أداة مراقبة وحرب ضد الفلسطينيين