كشفت تقارير صحفية دولية، استناداً إلى وثائق برلمانية إسبانية ومصادر استخباراتية، عن تفاصيل جديدة ومثيرة تتعلق بحادثة غرق السفينة الروسية 'أورسا ميجور' قبالة سواحل مورسيا. وتشير المعطيات إلى أن السفينة، التي غرقت في المنطقة الواقعة بين إسبانيا والجزائر أواخر عام 2024، ربما كانت ضحية لعملية عسكرية سرية نفذتها قوى غربية. ويهدف هذا التحرك المفترض إلى منع موسكو من تزويد كوريا الشمالية بتقنيات نووية متطورة مخصصة لغواصاتها الحربية.
ووفقاً لما نقلته مصادر إعلامية عن شبكة 'سي إن إن' وصحيفة 'إل باييس'، فإن التحقيقات تشير إلى احتمالية تعرض السفينة لهجوم بواسطة طوربيدات أو ألغام بحرية موجهة. وتأتي هذه الاستنتاجات لتعزز فرضية التدخل العسكري المباشر عالي المخاطر، في وقت كانت فيه العلاقات الدولية تشهد توتراً متصاعداً بسبب التعاون العسكري المتزايد بين موسكو وبيونغ يانغ. ويمثل هذا الحادث، في حال ثبوته، تحولاً نوعياً في أساليب مواجهة نقل التكنولوجيا المحظورة.
وفي تطور لافت، اعترفت الحكومة الإسبانية رسمياً في تقرير برلماني صدر في يناير 2026، بأن السفينة الروسية كانت تحمل على متنها مكونات لمفاعلين نوويين. وأوضح التقرير أن هذه المكونات تماثل تلك المستخدمة في دفع الغواصات النووية، وهو ما أكده قبطان السفينة إيغور أنيسيموف في شهادته. ومع ذلك، شدد القبطان على أن الحمولة لم تكن تتضمن وقوداً نووياً نشطاً وقت وقوع الانفجارات التي أدت للغرق.
وتشير المصادر إلى أن توقيت الحادث كان حساساً للغاية، حيث وقع خلال المرحلة الانتقالية بين إدارتي بايدن وترامب في الولايات المتحدة. وفي تلك الفترة، كانت كوريا الشمالية قد بدأت بالفعل في إرسال قوات عسكرية لدعم العمليات الروسية في أوكرانيا، وتحديداً في منطقة كورسك. ويبدو أن نقل هذه التكنولوجيا النووية كان جزءاً من 'ثمن' الدعم العسكري الذي قدمه كيم جونغ أون لفلاديمير بوتين.
وكانت السلطات الإسبانية قد رصدت وقوع انفجار أولي في غرفة محرك السفينة في 23 ديسمبر 2024، وهو ما أدى إلى تعطلها بشكل مفاجئ. ومن جانبها، سارعت شركة 'أوبورون لوجيستيكس' الروسية المملوكة للدولة، والمالكة للسفينة، إلى وصف الحادث بأنه 'هجوم إرهابي موجه'. وأكدت الشركة وجود أدلة مادية على هيكل السفينة تشير إلى تعرضها لضربة خارجية أدت إلى انثناء المعدن نحو الداخل وتناثر الشظايا.
وبعد غرق السفينة، تحول موقع الحطام إلى ساحة للمراقبة اللصيقة بين القوى الكبرى، حيث رصدت طائرات وسفن أمريكية وروسية المنطقة بشكل مستمر. وأفادت مصادر بأن أربعة انفجارات إضافية وقعت في قاع البحر بعد خمسة أيام من الغرق الأولي، وتحديداً أثناء تواجد سفينة الأبحاث الروسية 'يانتار' فوق الموقع. ويُعتقد أن هذه الانفجارات كانت تهدف إلى تدمير ما تبقى من الحطام الحساس لمنع وصول أي جهة أخرى إليه.
السفينة 'أورسا ميجور'، المعروفة سابقاً باسم 'سبارتا 3'، تمتلك تاريخاً في دعم العمليات العسكرية الروسية، بما في ذلك الحملة في سوريا. وقد انطلقت رحلتها الأخيرة من ميناء 'أوست لوغا' في بحر البلطيق، وكان من المفترض رسمياً أن تتوجه إلى فلاديفوستوك. إلا أن التحقيقات كشفت أن الوجهة الحقيقية كانت ميناء 'راسون' في كوريا الشمالية، وهو مركز لوجستي قريب من الحدود الروسية.
السفينة كانت تنقل مكونات مفاعلين نوويين مشابهين للمفاعلات المستخدمة في الغواصات، لكنها لم تكن تحمل وقوداً نووياً.
وأظهرت تحليلات لمقاطع فيديو وصور الأقمار الصناعية أن السفينة كانت تحمل 129 حاوية، تضمنت ما وصف بـ 'أغطية الحاويات' التي تعمل كدروع بيولوجية للمفاعلات النووية. هذه الدروع ضرورية لأنظمة الدفع الذري في الغواصات، وقد تظل تصدر إشعاعات طفيفة حتى لو كانت مستخرجة من غواصات قديمة مفككة. وهذا ما يفسر الاهتمام الاستخباراتي الكبير بطبيعة الحمولة التي كانت في طريقها لبيونغ يانغ.
خلال رحلتها عبر السواحل الأوروبية، خضعت السفينة لمراقبة دقيقة من قبل سفن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بينما كانت ترافقها سفن حربية روسية لتأمينها. وعند وصولها إلى المياه الإسبانية، بدأت السفينة في إظهار سلوك مريب من خلال خفض سرعتها بشكل كبير دون مبرر واضح. ورغم تأكيدات الطاقم للسلطات الإسبانية بأن الأمور تسير بشكل طبيعي، إلا أن نداءات الاستغاثة بدأت تنطلق بعد ساعات قليلة.
وفي تفاصيل عملية الإنقاذ، حاولت سفن الإنقاذ الإسبانية الاقتراب من السفينة المنكوبة فور تلقي النداء، لكن السفينة الحربية الروسية 'إيفان غرين' منعتها من ذلك. وأمرت القوات الروسية الجانب الإسباني بالبقاء على مسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات، ولم تسمح بالتدخل إلا في اللحظات الأخيرة لإنقاذ أفراد الطاقم. هذا السلوك الروسي الحذر زاد من الشكوك حول سرية وأهمية المواد الموجودة على متن 'أورسا ميجور'.
الولايات المتحدة من جهتها، لم تكتفِ بالمراقبة البحرية، بل أرسلت طائرة من طراز 'دبليو سي-135' (WC-135) المتخصصة في الكشف عن النشاط الإشعاعي. وحلقت هذه الطائرة، المعروفة بقدرتها على رصد أدق آثار الإشعاعات في الغلاف الجوي، مرتين فوق منطقة الغرق. ويعكس هذا التحرك القلق الأمريكي من احتمال تسرب إشعاعي أو رغبة في التأكد من طبيعة المفاعلات التي كانت السفينة تنقلها.
ويربط المحللون بين هذا الحادث وبين طموحات كوريا الشمالية البحرية، حيث عرض نظام بيونغ يانغ مؤخراً هيكل أول غواصة محلية تعمل بالطاقة النووية. ويقع مركز تطوير هذه الغواصات في 'سينبو'، وهو ليس بعيداً عن ميناء 'راسون' الذي كان من المفترض أن تستقبل السفينة الروسية. إن الحصول على مفاعلات روسية جاهزة كان سيمثل قفزة نوعية في برنامج كوريا الشمالية العسكري.
وتشير الوثائق الإسبانية إلى أن القبطان أنيسيموف أقر بوجود خطة لتحويل مسار الرحلة لتسليم المكونات النووية مباشرة إلى كوريا الشمالية. هذا الاعتراف يضع روسيا في مواجهة مباشرة مع القرارات الدولية التي تحظر نقل التكنولوجيا العسكرية والنووية إلى النظام الكوري الشمالي. كما يفسر سبب المخاطرة الكبيرة التي اتخذتها الجهة التي قررت إغراق السفينة لمنع وصول هذه الشحنة.
ختاماً، تظل قضية 'أورسا ميجور' واحدة من أكثر العمليات البحرية غموضاً في السنوات الأخيرة، حيث تتداخل فيها المصالح الاستخباراتية مع الصراعات الدولية. وبينما تلتزم موسكو بالرواية التي تتحدث عن 'عمل إرهابي'، تشير كافة المعطيات الميدانية والوثائق المسربة إلى صراع خفي لمنع تغيير موازين القوى في شبه الجزيرة الكورية عبر تكنولوجيا نووية روسية مهربة.





שתף את דעתך
تفاصيل مثيرة حول غرق 'أورسا ميجور': هل أحبطت عملية عسكرية نقل تكنولوجيا نووية لبيونغ يانغ؟