دخلت مساعي تطبيع العلاقات بين تركيا وأرمينيا مرحلة حاسمة من التنفيذ الفعلي، مدفوعة بتبدلات جيوسياسية كبرى في المنطقة. وتأتي هذه الخطوات في وقت تبحث فيه القوى الإقليمية عن بدائل آمنة لنقل الطاقة والبضائع بين الشرق والغرب، خاصة مع تزايد التوترات التي تؤثر على الممرات التقليدية.
وأعلن المتحدث باسم الخارجية التركية، أونجو كتشالي، عن إتمام كافة الترتيبات الإدارية والبيروقراطية اللازمة لتدشين حركة التجارة المباشرة بين البلدين. وأوضح كتشالي أن الفرق الفنية تواصل عملها الميداني لتهيئة الحدود المشتركة للافتتاح، مما ينهي عقوداً من الإغلاق والقطيعة الاقتصادية.
وشهدت العاصمة الأرمينية يريفان زيارة رفيعة المستوى لنائب الرئيس التركي جودت يلماز، الذي التقى رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان. وجاءت هذه اللقاءات على هامش قمة المجموعة السياسية الأوروبية، لتعكس رغبة سياسية جادة في تجاوز ملفات الماضي العالقة والانتقال نحو تعاون اقتصادي ملموس.
وفي خطوة تحمل دلالات رمزية وتاريخية، وقع الجانبان مذكرة تفاهم تهدف إلى الترميم المشترك لجسر 'آني' التاريخي الواقع على الحدود. ويُعرف هذا الجسر بكونه بوابة طريق الحرير القديم إلى الأناضول، وهو مدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونيسكو، ويمثل إحياؤه رغبة في استعادة الدور التجاري التاريخي للمنطقة.
وعلى الصعيد اللوجستي، احتضنت مدينة قارص التركية اجتماعات فنية مكثفة بين وفود من أنقرة ويريفان لبحث إعادة تشغيل خط السكك الحديدية الواصل إلى مدينة غيومري الأرمينية. ويهدف هذا المشروع إلى إعادة تفعيل شريان نقل حيوي توقف عن العمل منذ عام 1993 نتيجة الصراعات الإقليمية السابقة.
وتحظى هذه التحركات بمباركة دولية واسعة، حيث وصف السفير الأمريكي لدى أنقرة، توماس باراك، التقارب التركي الأرميني بأنه نقطة تحول استراتيجية. وترى واشنطن في هذا الترابط الإقليمي وسيلة لتعزيز الاستقرار في منطقة القوقاز وفتح آفاق جديدة للتجارة الدولية بعيداً عن مناطق النزاع.
ويمثل 'ممر زنغزور' حجر الزاوية في الرؤية المستقبلية لهذا التقارب، حيث سيعمل على ربط أذربيجان بإقليم نخجوان ومن ثم بتركيا وأوروبا. ومن شأن هذا الممر أن يوفر طريقاً برياً وسككاً حديدية وأنابيب طاقة تربط آسيا الوسطى وحوض قزوين بالأسواق العالمية بشكل مباشر وسلس.
الاستعدادات البيروقراطية لبدء التبادل التجاري المباشر بين تركيا وأرمينيا انتهت، والأعمال التقنية لفتح الحدود مستمرة.
وتبرز الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر في كونه يوفر بديلاً للمسارات التي تمر عبر الأراضي الإيرانية، وهو ما يفسر التحفظات التي تبديها طهران تجاه المشروع. ومع ذلك، تشير المعطيات الراهنة إلى أن الضغوط الاقتصادية والحاجة الدولية لممرات طاقة مستقرة تدفع باتجاه إنجاز المشروع رغم التحديات الإقليمية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أضفى صبغة دولية على هذا المشروع بتسميته 'طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين'. وأشار ترامب في تصريحات سابقة إلى استعداد الولايات المتحدة للإشراف على تشغيل وتطوير هذا الممر الحيوي لمدة تصل إلى قرن من الزمان، لضمان تدفق التجارة العالمية.
من جانبها، تتبنى حكومة نيكول باشينيان سياسة خارجية تتسم بالواقعية، محاولةً إخراج أرمينيا من عزلتها الاقتصادية والجغرافية. وتدرك يريفان أن الانفتاح على تركيا هو المفتاح الأساسي لتقليل الاعتماد الكلي على القوى التقليدية وتحسين الظروف المعيشية للشعب الأرميني عبر الاندماج في سلاسل التوريد العالمية.
وأكد مسؤولون في الخارجية والبرلمان الأرميني وجود رغبة شعبية وسياسية واسعة لتطبيع العلاقات بشكل كامل مع الجار التركي. وينتظر الجانب الأرميني خطوات متبادلة تشمل إقامة علاقات دبلوماسية رسمية وفتح المعابر الحدودية بشكل دائم أمام حركة الأفراد والبضائع دون قيود.
وقد ساهمت التطورات الميدانية الأخيرة في إقليم قراباغ في إزالة أحد أكبر العوائق التاريخية التي كانت تحول دون التقارب بين البلدين. ومع تغير موازين القوى، بات الطريق ممهداً أمام الدبلوماسية لتجاوز إرث الماضي والتركيز على المصالح الاقتصادية المشتركة التي تفرضها الجغرافيا السياسية الجديدة.
وتواجه حكومة باشينيان تحديات داخلية من قبل قوى المعارضة والجاليات الأرمينية في الخارج التي تتبنى مواقف متشددة تجاه تركيا. إلا أن التوجه نحو 'السياسة الواقعية' يبدو هو الخيار المفضل حالياً لمواجهة الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعاني منها البلاد منذ سنوات طويلة.
إن السباق العالمي نحو تأمين طرق إمداد بديلة للطاقة يضع تركيا وأرمينيا في قلب خريطة المصالح الدولية الجديدة. ومن المتوقع أن تشهد الشهور المقبلة ترجمة فعلية للاتفاقيات التقنية إلى واقع ملموس على الأرض، مما سيغير وجه التفاعلات السياسية والاقتصادية في منطقة القوقاز برمتها.





שתף את דעתך
تسارع خطوات التطبيع بين أنقرة ويريفان: ممرات الطاقة تعيد رسم خريطة التحالفات