لم يعد ممكنًا الصمت أمام الحالة التي تعيشها حركة فتح، أو التعامل معها وكأنها أزمة عابرة يمكن تجاوزها بالشعارات والخطابات التقليدية. فالحقيقة التي يشعر بها كثير من أبناء الحركة والجماهير الفلسطينية أن هناك فجوة اتسعت خلال السنوات الماضية بين فتح وبين الناس، وبين الحركة التي كانت يومًا عنوانًا للتحرر الوطني وبين واقع تنظيمي بات يثير القلق والأسئلة.
فتح التي عرفها الفلسطينيون لم تكن مجرد تنظيم سياسي، بل كانت مشروعًا وطنيًا جامعًا، حركة تعبّر عن آلام الناس وآمالهم، تحتضن المناضلين والمثقفين والمفكرين والكوادر الحقيقية، وتفتح المجال للكفاءات والطاقات الوطنية. كانت حركة تنتمي إلى الشارع، وتستمد قوتها من الجماهير، لا من مراكز النفوذ والترضيات.
لكن السؤال الذي يُطرح اليوم بمرارة ووضوح: هل ما زالت فتح كذلك؟ أم أن فتح باتت مختطفة؟
الحديث عن “اختطاف فتح” ليس شعارا سياسيًا ولا مبالغة إعلامية، بل توصيف لحالة تعيشها الحركة منذ سنوات؛ حالة جرى فيها تقديم الولاءات على الكفاءات، والطاعة على المبادرة، والتملق على الفكر، حتى أصبحت المؤسسة التنظيمية في كثير من مفاصلها تُدار بعقلية الإقصاء وإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم، بدل إنتاج مشروع وطني متجدد.
ولهذا فإن المؤتمر الثامن لا يجب أن يكون مجرد محطة تنظيمية عادية، بل لحظة تاريخية فاصلة: إما أن يكون بداية استعادة فتح من خاطفيها، أو محطة جديدة في تكريس الواقع ذاته.
لكن الحقيقة الأهم التي يجب أن تُقال بوضوح: لا يمكن انتظار مخرجات مختلفة بعقلية المدخلات ذاتها.
فالقاعدة السياسية والتنظيمية تقول دائمًا: المدخلات تحدد المخرجات.
إذا كانت معايير اختيار أعضاء المؤتمر قامت على الولاء الشخصي والمحسوبيات والتبعية، فكيف يمكن انتظار مؤتمر ينتج قيادة وطنية مستقلة وحقيقية؟
وإذا كان أصحاب الفكر والموقف والكفاءة يتم تهميشهم لصالح من يجيدون التصفيق وتنفيذ التعليمات، فكيف يمكن أن تستعيد فتح دورها التاريخي ومكانتها الطبيعية؟
المؤتمر ليس مجرد قاعة تُرفع فيها الشعارات، بل هو انعكاس لطبيعة من حضروه، وكيف وصلوا، ولمن يدينون بالولاء.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: ليس فقط ماذا ستكون مخرجات المؤتمر الثامن؟ بل كيف صُنعت مدخلاته أصلًا؟
إن ما تحتاجه فتح اليوم ليس مزيدًا من الوجوه التي تُدار بالعقلية ذاتها، بل قيادة تؤمن بزرع القيادات لا صناعة المقادين، قيادة تنزل إلى الناس، تتلاصق مع الشارع الفلسطيني، تسمع وجعه، وتعبّر عن طموحاته، لا قيادة تعيش داخل دوائر مغلقة بعيدة عن هموم الجماهير.
نريد فتح التي تعود إلى مشروعها الوطني والفكري، فتح التي تبني مؤسساتها على أساس الكفاءة والتداول واحترام المؤسسات، لا على أساس الترضيات وتقاسم النفوذ.
نريد حركة تُعيد الاعتبار للمناضلين الحقيقيين، وللمفكرين، وللشباب، وللكفاءات الوطنية، وتُقصي ثقافة الوصولية والتسلق والانتهازية السياسية.
والأخطر من كل ذلك، أن المؤتمر الثامن يجب أن يكون له موقف واضح وصريح من التيار الذي بات يتفاخر بعلاقاته واجتماعاته المتواصلة مع الإدارة المدنية للاحتلال، وكأن هذا الأمر إنجاز سياسي أو مصدر قوة ونفوذ.
من أعطى هؤلاء الحق ليتحدثوا باسم فتح؟ وبأي صفة تُعقد هذه الاجتماعات؟ وهل أصبحت العلاقة مع الإدارة المدنية معيارًا للصعود داخل الحركة؟
فتح التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني وقدمت آلاف الشهداء والأسرى لا يمكن أن تتحول إلى مظلة يتسلل عبرها البعض نحو المصالح الشخصية أو النفوذ أو شرعنة العلاقة مع الاحتلال تحت أي عنوان.
إن الجماهير الفلسطينية لا تريد قيادة تتفاخر بصورة مع ضابط في الإدارة المدنية، بل تريد قيادة تحمل همّ الناس، تدافع عن كرامتهم، وتعيد الاعتبار للمشروع الوطني الفلسطيني.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل هذه الفئة هي عنوان المرحلة المقبلة داخل فتح؟ وهل المؤتمر الثامن سيكرّس هذا النهج؟ أم سيكون لحظة شجاعة لاستعادة الحركة من ثقافة التبعية والتملق والارتهان؟
المسؤولية اليوم لا تقع فقط على القيادة، بل على كل عضو سيشارك في المؤتمر، وعلى كل كادر يملك صوتًا وقرارًا.
هل سيكون المؤتمر ساحة لإسقاط ثقافة الطاعة العمياء؟ هل سيتم رفع الصوت بوجه كل من حوّل التنظيم إلى أداة لخدمة أجنداته ومصالحه؟ هل سيُعاد الاعتبار لقيم النضال والفكر والتضحية؟
فتح لا تُبنى بالخوف، ولا تُدار بالتبعية، ولا تُستعاد بالشعارات.
فتح تُبنى بالإرادة الحرة، وبالمؤسسة، وبالوعي، وبالقيادات التي تخرج من الناس وتعود إليهم.
المؤتمر الثامن اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي: إما أن يُعيد فتح إلى مكانتها الطبيعية كحركة تحرر وطني تقود الجماهير وتلتصق بها، وإما أن يُكرّس واقعًا يزيد الفجوة ويُعمّق فقدان الثقة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها: فتح التي تسكن وجدان الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تموت… لكنها قد تُستعاد، أو تُترك رهينة.
والقرار الآن… بيد أبناء فتح أنفسهم.
ד 13 מאי 2026 9:27 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
بين الاختطاف والاستعادة: هل يكون المؤتمر الثامن لحظة الحقيقة؟