يتوجه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى العاصمة الصينية بكين هذا الأسبوع، في زيارة تأتي وسط ظروف سياسية معقدة وتراجع ملحوظ في سقف التوقعات الأمريكية. ويرى مراقبون أن الطموحات التي حملها ترمب قبل عام عند فرضه رسوماً جمركية مشددة قد تقلصت بشكل كبير لتتحول إلى محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر صفقات تجارية محدودة.
وتعد هذه القمة المرتقبة يومي 14 و15 مايو هي اللقاء الأول الذي يجمع ترمب بنظيره الصيني شي جين بينغ منذ التوصل إلى هدنة تجارية هشّة في أكتوبر الماضي. وتأتي الزيارة في وقت تعاني فيه الإدارة الأمريكية من ضغوط قضائية داخلية أبطلت مفعول بعض القرارات الاقتصادية السابقة، مما أضعف موقف واشنطن التفاوضي.
وتشير تقارير إلى أن الأجندة الاقتصادية للزيارة ستتركز على قطاعات محددة تشمل استيراد الصين لفول الصويا ولحوم الأبقار الأمريكية، بالإضافة إلى صفقات محتملة لطائرات بوينغ. ويعكس هذا التوجه رغبة البيت الأبيض في تحقيق مكاسب سريعة لتهدئة القطاعات المتضررة من النزاعات التجارية الطويلة.
وبعيداً عن لغة الأرقام، يبرز ملف الحرب مع إيران كأحد أهم دوافع الزيارة، حيث يسعى ترمب للحصول على مساعدة بكين لوضع نهاية للصراع الذي استنزف شعبيته. وتراهن واشنطن على علاقات الصين المتينة مع طهران وقدرتها على إقناع القيادة الإيرانية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات لإبرام اتفاق جديد.
وأكد محللون سياسيون أن ترمب بات في موقع يحتاج فيه إلى الصين أكثر من أي وقت مضى، خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل. ويحتاج الرئيس الأمريكي إلى تحقيق "انتصار دبلوماسي" يثبت قدرته على إدارة الأزمات العالمية بدلاً من الاكتفاء بإثارة الاضطرابات السياسية.
من جانبها، عززت بكين أدوات ضغطها الاقتصادي خلال الأشهر الماضية، مستغلة حاجة واشنطن للاستقرار في أسواق الطاقة العالمية. وقد أظهرت الصين قدرتها على التأثير في سلاسل التوريد الغربية من خلال تقييد صادرات العناصر الأرضية النادرة الحيوية للصناعات العسكرية والتكنولوجية.
ويرافق الرئيس الأمريكي في رحلته وفد تجاري يضم شخصيات بارزة مثل إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تسلا، وتيم كوك رئيس شركة أبل. ورغم ثقل هذه الأسماء، إلا أن حجم الوفد يبدو أصغر مقارنة بالزيارات السابقة، مما يعكس حذراً في أوساط قطاع الأعمال الأمريكي.
ترمب يحتاج إلى الصين أكثر مما تحتاج الصين إليه؛ إنه يبحث عن انتصار في السياسة الخارجية يضمن له الاستقرار.
وفي تصريحات صحفية سبقت مغادرته، أعرب ترمب عن احترامه الكبير للرئيس الصيني، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تعد تتعرض للاستغلال كما كان يحدث في عهد الإدارات السابقة. وأضاف أنه يأمل في بناء علاقة قائمة على الاحترام المتبادل تضمن مصالح الطرفين في ظل التوترات الراهنة.
ولا تغيب الملفات السياسية الشائكة عن طاولة البحث، حيث من المتوقع أن يناقش الجانبان قضية مبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان، وهو الملف الأكثر حساسية لبكين. كما سيطرح ترمب قضية قطب الإعلام المسجون جيمي لاي، ومطالبات بإطلاق سراح مواطنين أمريكيين محتجزين في الصين منذ سنوات.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن أكثر من 60% من الأمريكيين يعارضون السياسات التصعيدية تجاه إيران، مما يضع ترمب تحت ضغط شعبي هائل. هذا التراجع في التأييد الداخلي يدفع الإدارة الأمريكية للبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه عبر الوساطة الصينية الممكنة.
وعلى المقلب الآخر، تدرك الصين أن استمرار الصراعات الدولية الطويلة يفرض تكاليف اقتصادية باهظة عليها كقوة تجارية عالمية. ومع ذلك، يرى خبراء أن بكين لن تقدم تنازلات مجانية، وستطلب في المقابل مرونة أمريكية في ملفات السيادة الصينية والمنافسة التكنولوجية.
ويرى مات بوتينجر، المسؤول السابق في الأمن القومي أن الصين تهدف إلى نتيجة تضعف النفوذ الأمريكي في آسيا والشرق الأوسط على المدى البعيد. وتراقب دول الجوار الصيني وحلفاء واشنطن في المنطقة نتائج هذه القمة بحذر، خشية حدوث تغيير في الالتزامات الأمريكية تجاه أمن تايوان.
إن التحول في لهجة ترمب من التهديد بفرض رسوم جمركية شاملة إلى البحث عن صفقات تعاونية يعكس واقعية سياسية فرضتها الأزمات المتلاحقة. فمن التهديد بضم جرينلاند إلى التدخل في فنزويلا، يجد الرئيس الأمريكي نفسه محاطاً بملفات معقدة تتطلب تعاوناً دولياً واسعاً.
ستظل نتائج لقاء بكين رهينة بقدرة الطرفين على تجاوز الخلافات العميقة وبناء ثقة مفقودة منذ سنوات من الحرب التجارية. وسيراقب العالم ما إذا كانت هذه الزيارة ستؤدي إلى انفراجة حقيقية في أزمة الطاقة والتوترات العسكرية، أم أنها مجرد تهدئة مؤقتة تسبق جولات جديدة من الصراع.





שתף את דעתך
ترمب في بكين: مساعٍ لوساطة صينية مع إيران وصفقات تجارية لإنقاذ الموقف