א 10 מאי 2026 4:10 pm - שעון ירושלים

زلزال سياسي في بريطانيا: صعود اليمين المتطرف يربك حسابات العمال والمحافظين

تعتبر الانتخابات المحلية في بريطانيا بمثابة المختبر الحقيقي لقياس توجهات الرأي العام قبل الانتخابات العامة، فهي المرآة التي تعكس مدى قدرة الحزب الحاكم على الاحتفاظ بالسلطة أو اقتراب المعارضة من انتزاعها. وقد جاءت النتائج الأخيرة لتشكل صدمة للنظام السياسي التقليدي، حيث أظهرت تراجعاً ملموساً في شعبية حزبي العمال والمحافظين على حد سواء.

برز حزب الإصلاح اليميني المتطرف كقوة صاعدة تمكنت من اكتساح مقاعد كانت تُعد تاريخياً وتقليدياً معاقل حصينة لحزب العمال في مناطق إنجلترا وويلز. هذا التحول وُصف بأنه زلزال سياسي غير مسبوق، ينذر بتغييرات جذرية في البنية السياسية التي استقرت في البلاد لعقود طويلة، مما يضع الأحزاب الكبرى أمام تحديات وجودية.

يقود هذا الحزب الحديث نسبياً نايجل فاراج، الشخصية المثيرة للجدل وأحد أبرز مهندسي حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ينتهج فاراج خطاباً شعبوياً يركز على تحميل المهاجرين مسؤولية الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، مقدماً وعوداً دون برامج اقتصادية واضحة أو تفصيلية لمعالجة جذور المشكلات.

يتسم خطاب حزب الإصلاح بنبرة إقصائية واضحة تجاه الأقليات، لا سيما المسلمين البريطانيين، حيث دعا فاراج مؤخراً إلى حظر الصلاة في الساحات العامة. وجاءت هذه الدعوات رداً على احتفالات عيد الفطر التي أقيمت في ساحة الطرف الأغر بوسط لندن، وهي الفعالية التي يدعمها عمدة لندن صديق خان لتعزيز التنوع الثقافي.

لم يقتصر هجوم اليمين المتطرف على القضايا المحلية، بل امتد ليشمل السياسة الخارجية والمواقف من القضايا الدولية. فقد انتقد فاراج ما وصفه بضعف حكومة حزب العمال في التعامل مع المسيرات الضخمة المؤيدة للقضية الفلسطينية، كما تعهد باتخاذ إجراءات صارمة تشمل حظر جماعة الإخوان المسلمين في حال وصوله للسلطة.

في ظل هذه الضغوط، يواجه رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر تحديات داخلية متزايدة، حيث بدأت أصوات من داخل حزب العمال تطالبه بالتنحي. يرى هؤلاء المعارضون ضرورة إفساح المجال لقيادة جديدة قادرة على استعادة ثقة الناخبين خلال السنوات الثلاث المتبقية من عمر الدورة البرلمانية الحالية، لتجنب هزيمة ساحقة مستقبلاً.

حاول ستارمر امتصاص الصدمة عبر اتخاذ خطوات استراتيجية، كان أبرزها تعيين رئيس الوزراء الأسبق غوردن براون مستشاراً له. تهدف هذه الخطوة إلى الاستفادة من خبرة براون الاقتصادية الواسعة، خاصة وأنه يُعرف بنزاهته وقدرته على إدارة الأزمات المالية الكبرى التي واجهت البلاد في فترات سابقة.

يتمتع غوردن براون بسجل حافل، حيث حصل في عام 2009 على جائزة 'رجل الدولة العالمي' تقديراً لدوره المحوري في صياغة خطة الإنقاذ المالي العالمية خلال قمة العشرين. ورغم افتقاره للكاريزما الجماهيرية مقارنة بغيره، إلا أن ثقله الأكاديمي وخبرته كأستاذ سابق في جامعة غلاسكو يمنحانه احتراماً واسعاً في الأوساط السياسية.

من جانب آخر، اختار ستارمر مواجهة الحقيقة عبر مقال نشره في صحيفة الغارديان، اعترف فيه صراحة بالهزيمة في الانتخابات المحلية. وحلل ستارمر توجه الناخبين نحو اليمين المتطرف باعتباره صرخة احتجاجية ناتجة عن الأزمات المعيشية المتلاحقة التي لم تجد حلولاً جذرية من الأحزاب التقليدية.

أوضح رئيس الوزراء في تحليله أن المواطن البريطاني بات يبحث عن خطوات جريئة للخروج من النفق الاقتصادي المظلم، بعيداً عن الأيديولوجيات السياسية المعتادة. وأشار إلى أن تراكم الأزمات منذ عام 2008، مروراً بجائحة كوفيد ووصولاً إلى سياسات التقشف، هو ما دفع الناخبين نحو الخيارات المتطرفة.

يبدو أن استحضار ستارمر لإرث غوردن براون هو محاولة غير مباشرة للتذكير بالفترة التي كان فيها حزب العمال يقود معارك اقتصادية صلبة قبل انتقال السلطة للمحافظين. ويسعى من خلال ذلك إلى إثبات أن الصعوبات الحالية هي نتاج لسنوات من حكم المعارضة وليست فشلاً محضاً لحكومته الحالية.

تظل الساحة البريطانية مفتوحة على كافة الاحتمالات، حيث يراقب المحللون مدى قدرة 'تحالف الضرورة' بين ستارمر وبراون على لجم صعود اليمين المتطرف. فالتحدي الأكبر لا يكمن فقط في الفوز بالانتخابات، بل في تقديم نموذج اقتصادي يقنع الناخب بأن الحلول تكمن في الاستقرار لا في الخطابات الشعبوية.

إن صعود حزب الإصلاح يعكس حالة من الانقسام العميق داخل المجتمع البريطاني، وهو ما يتطلب من القوى السياسية التقليدية إعادة قراءة الواقع بعناية. فالمطالب الشعبية بالعدالة الاقتصادية والأمن المجتمعي أصبحت تتجاوز الوعود الانتخابية التقليدية، مما يفرض ضرورة تبني سياسات أكثر واقعية وتأثيراً.

ختاماً، تمثل هذه المرحلة منعطفاً تاريخياً في السياسة البريطانية، حيث تضعف الحدود الفاصلة بين اليمين واليسار أمام ضغط الأزمات المعيشية. وسيكون على حزب العمال إثبات قدرته على التجديد والابتكار السياسي إذا ما أراد الحفاظ على موقعه في قيادة البلاد ومواجهة العاصفة اليمينية القادمة.

תגים

שתף את דעתך

زلزال سياسي في بريطانيا: صعود اليمين المتطرف يربك حسابات العمال والمحافظين

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.