أعلنت تركيا رسمياً عن دخولها مرحلة جديدة في تكنولوجيا الردع العسكري عقب الكشف عن صاروخها الباليستي العابر للقارات 'يلدريم خان'. وجاء هذا الإعلان خلال فعاليات معرض 'ساها 2026' الدولي لصناعات الدفاع والطيران والفضاء الذي احتضنته مدينة إسطنبول الأسبوع الماضي.
يتميز الصاروخ الجديد بقدرات تقنية هائلة، حيث تصل سرعته القصوى إلى 25 ماخ، بينما يمتد مداه العملياتي إلى نحو 6000 كيلومتر. ويعتمد 'يلدريم خان' في منظومة دفعه على أربعة محركات صاروخية تعمل بوقود رباعي أكسيد النيتروجين السائل، مما يجعله من بين الأنظمة الأكثر تطوراً في المنطقة.
يعود الفضل في هذا الإنجاز إلى مركز البحث والتطوير التابع لوزارة الدفاع التركية، الذي أشرف على كافة مراحل التصميم والتصنيع. ويمثل هذا الكشف ثمرة عقود من العمل المؤسسي الذي بدأ منذ تأسيس إدارة تطوير ودعم الصناعات الدفاعية في منتصف الثمانينيات.
مرت رئاسة الصناعات الدفاعية التركية بمحطات تحول جذرية منذ نشأتها عام 1985 بموجب القانون رقم 3238. وتهدف هذه المؤسسة منذ انطلاقها إلى وضع السياسات الاستراتيجية لبناء بنية تحتية دفاعية وطنية قوية قادرة على تلبية احتياجات القوات المسلحة.
شهد عام 2017 تحولاً هيكلياً هاماً بإخضاع الوكالة لسلطة رئيس الجمهورية مباشرة لتعزيز سرعة اتخاذ القرار. وفي عام 2018، أُعيدت هيكلتها لتصبح 'رئاسة الصناعات الدفاعية لجمهورية تركيا'، وهو ما منحها صلاحيات واسعة في تنفيذ المشاريع الكبرى.
تتولى اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية مهاماً محورية تشمل اتخاذ القرارات المتعلقة بإنتاج الأسلحة والمركبات والمعدات الحديثة. وتعمل اللجنة وفق خطة أهداف استراتيجية تشمل القوات المسلحة وقوات الدرك وخفر السواحل، بالإضافة إلى المديرية العامة للأمن.
تسعى الوكالة إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، مع فتح الباب أمام مساهمات رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا المتقدمة. كما تركز بشكل مكثف على البحث والتطوير وتصنيع النماذج الأولية التي تسبق عمليات الإنتاج الضخم للأسلحة والمنظومات الذكية.
يمثل صاروخ يلدريم خان الظهور العلني الأول لأحد أكثر أنظمة الصواريخ بعيدة المدى تطوراً في الترسانة التركية.
تضم رئاسة الصناعات الدفاعية أقساماً تخصصية دقيقة تغطي كافة مجالات الحرب الحديثة، من المركبات البرية والبحرية إلى الفضاء والحرب الإلكترونية. ويشرف حالياً هالوك غورون على رئاسة الوكالة منذ توليه المنصب في حزيران 2023، خلفاً لإسماعيل دمير.
تتبع تركيا نظاماً صارماً ومنهجياً في إدارة مشاريعها الدفاعية، يبدأ بمرحلة تحديد الاحتياجات الميدانية من قبل القوات المسلحة. وتقوم الوكالة في هذه المرحلة بدراسة الجدوى الفنية لضمان توافق المشروع مع الاستراتيجية الوطنية للدفاع والأمن القومي.
تنتقل المشاريع بعد ذلك إلى مرحلة التصميم الأولي والتطوير، حيث يتم وضع المخططات الهيكلية واختيار البرمجيات والمكونات الدقيقة. وفي هذه المرحلة، يتم بناء النماذج الأولى التي تجسد الفكرة التقنية وتحولها إلى واقع ملموس قابل للاختبار.
تعد مرحلة الاختبار والتقييم هي الأكثر صرامة في دورة الإنتاج التركية، حيث يخضع المنتج لاختبارات ميدانية وأرضية قاسية. وتشمل هذه الاختبارات الرماية الحية للمدافع واختبارات الطيران للمسيرات، لضمان مطابقتها لمعايير حلف 'الناتو' والمعايير العسكرية الوطنية.
بمجرد اجتياز كافة الاختبارات بنجاح، يمنح المنتج 'شهادة التأهيل' التي تسمح بالبدء في مرحلة الإنتاج المتسلسل. ويتم توقيع اتفاقيات الإنتاج الضخم مع شركات رائدة في القطاع مثل 'أسيلسان' و'توساش' و'بايكار' لتوريد الكميات المطلوبة للجيش.
لا يتوقف دور الوكالة عند تسليم السلاح، بل يمتد ليشمل الدعم اللوجستي والاستدامة وتدريب الكوادر العسكرية على الاستخدام الأمثل. كما تلتزم الوكالة بتطوير المنظومات بشكل مستمر لمواكبة القفزات التكنولوجية العالمية وضمان توفر قطع الغيار اللازمة.
يعتمد النجاح التركي في هذا المجال على نظام بيئي متكامل يجمع بين الشركات الحكومية والقطاع الخاص والجامعات ومراكز الأبحاث. وتلعب رئاسة الصناعات الدفاعية دور المنسق والمشرف العام على هذا النظام لضمان تحقيق السيادة التكنولوجية في المجال العسكري.





שתף את דעתך
تركيا تدخل نادي الصواريخ العابرة للقارات بالكشف عن 'يلدريم خان' الاستراتيجي