كشفت تقارير ميدانية وبيانات حقوقية عن تصاعد غير مسبوق في وتيرة الانتهاكات التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مناطق الجنوب السوري، حيث وثقت المصادر أكثر من 1670 انتهاكاً خلال الفترة الممتدة بين أغسطس 2025 ومايو 2026. وشملت هذه التحركات عمليات توغل بري وتشييد بوابات عسكرية ذكية، إلى جانب مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والحرجية التابعة للسكان المحليين.
وتشير الإحصائيات إلى أن شهر مارس من عام 2026 شهد الذروة العملياتية للاحتلال، بتنفيذ ما يزيد عن 320 عملية عسكرية متنوعة، من بينها عشرات الغارات الجوية التي استهدفت مواقع استراتيجية. كما طالت هذه العمليات المدنيين بشكل مباشر عبر حملات اعتقال طالت العشرات، مما يعكس استراتيجية تصعيدية تزامنت مع التوترات الإقليمية المتزايدة في المنطقة.
لقد تجاوزت القوات الإسرائيلية بشكل صريح خط وقف إطلاق النار الموقع عام 1974 في هضبة الجولان المحتلة، متوغلة في عمق المناطق المنزوعة السلاح التي تشرف عليها الأمم المتحدة. ويمتد هذا التوغل على طول شريط يصل إلى 75 كيلومتراً، حيث بسط الاحتلال سيطرته على أجزاء حيوية من ريف القنيطرة وريف درعا الغربي، محولاً إياها إلى مناطق نفوذ عسكري مباشر.
وفي أعقاب التغيرات السياسية والميدانية الأخيرة في سوريا، سارعت إسرائيل للسيطرة على نحو 350 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الممتدة من جبل الشيخ شمالاً وصولاً إلى حوض اليرموك جنوباً. وترافق هذا الزحف البري مع حملة جوية مكثفة استهدفت تدمير البنية التحتية العسكرية السورية، بما في ذلك المطارات ومنظومات الدفاع الجوي ومستودعات الأسلحة الاستراتيجية.
وأكدت مصادر مطلعة أن جيش الاحتلال أنشأ تسع قواعد عسكرية جديدة في المنطقة، مع البدء في تجهيز قاعدة عاشرة لتعزيز الوجود الدائم. وتعتمد هذه القواعد على توزيع جغرافي مدروس يضمن السيطرة النارية والبصرية الكاملة على الروابي الحاكمة والممرات الحيوية التي تربط القرى السورية ببعضها البعض، مما يعيق حركة السكان المحليين.
وتتبع إسرائيل في الآونة الأخيرة ما يسمى استراتيجية 'الخنق الصامت'، والتي تعتمد على التوغلات الخاطفة وإقامة نقاط تفتيش مفاجئة بدلاً من المواجهات الكبرى. وتهدف هذه السياسة إلى فرض واقع أمني جديد في منطقة 'المثلث' التي تمتد بعمق 15 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، مما يحول القرى الحدودية إلى ثكنات عسكرية معزولة عن محيطها.
وفي محافظة القنيطرة، التي نالت النصيب الأكبر من الانتهاكات بنسبة تجاوزت 80%، قامت قوات الاحتلال بتجريف آلاف الدونمات من الأراضي الحرجية في منطقة جباتا الخشب. كما أقدمت على هدم منازل سكنية في بلدة الحميدية لتشييد قاعدة عسكرية محصنة في وقت قياسي، مما أدى إلى تهجير قسري لعدد من العائلات السورية التي فقدت مأواها ومصدر رزقها.
إسرائيل تحولت من العمليات البرية واسعة النطاق إلى استراتيجية 'الخنق الصامت' عبر الغارات والتوغلات وإقامة نقاط تفتيش دائمة.
وتبرز منطقة 'تل الأحمر الغربي' كواحدة من أخطر النقاط العسكرية التي استحدثها الاحتلال، نظراً لموقعها الاستراتيجي الذي يشرف على أرياف القنيطرة ودرعا ودمشق. وقد تم تزويد هذا الموقع بأنظمة مراقبة بصرية متطورة وقدرات نيرانية بعيدة المدى، مما يجعله مركز قيادة وتحكم متقدم يخترق العمق السوري بشكل دائم وغير مسبوق.
أما في ريف درعا، فتتسم العمليات الإسرائيلية بكونها 'نوعية وانتقائية'، حيث تعتمد على المداهمات الليلية والقصف المدفعي المركز على أهداف محددة. وتواجه قرى حوض اليرموك مثل معرية وجملة ضغوطاً مستمرة عبر الاقتحامات المتكررة واحتجاز الأهالي، في محاولة لترهيب السكان ومنع أي نشاط قد يعيق التحركات العسكرية الإسرائيلية.
ووثقت المصادر وجود أربع بوابات عسكرية رئيسية تربط الجولان المحتل بالداخل السوري، لكل منها وظيفة لوجستية محددة لمرور الآليات الثقيلة والمدرعات. وتعمل هذه البوابات كشرايين إمداد للقواعد المستحدثة، مما يسهل عملية المناورة العسكرية السريعة ويضمن بقاء القوات الإسرائيلية في حالة تأهب دائم داخل الأراضي السورية.
وفي سياق متصل، برزت اتهامات للاحتلال بممارسة 'إبادة بيئية' عبر رش مواد كيميائية مجهولة فوق الأراضي الزراعية والمراعي، مما أدى إلى جفاف مساحات شاسعة من الغطاء النباتي. ويرى مراقبون أن هذه الممارسات تهدف إلى تدمير سبل عيش المزارعين ورعاة الأغنام، لدفعهم نحو الهجرة الطوعية من المناطق المحاذية للشريط الحدودي الجديد.
وعلى الصعيد التكنولوجي، أعلنت إسرائيل عن مشروع 'حاجز أمن الحدود الشرقية' بتكلفة ضخمة تصل إلى 1.7 مليار دولار، ليمتد على طول 500 كيلومتر. ويشمل هذا المشروع بناء 'حدود ذكية' تعتمد بالكامل على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة ذاتية القيادة، والروبوتات الأرضية، لتقليل الاعتماد على العنصر البشري في حماية التحصينات الجديدة.
وتتزامن هذه التحركات العسكرية مع خطط سياسية معلنة لتوسيع الاستيطان في الجولان المحتل، حيث تسعى الحكومة الإسرائيلية لنقل آلاف العائلات الجديدة بحلول عام 2030. وتعتبر مدينة 'كتسرين' المركز الأساسي لهذا التوسع الاستيطاني، الذي يهدف إلى ترسيخ السيادة الإسرائيلية وتغيير الديموغرافيا في المنطقة الحدودية بشكل نهائي.
وفي ظل هذا التصعيد، بدأت تظهر بوادر تحركات ميدانية من قبل السلطات السورية لترميم بعض الطرق المتضررة ودعم السكان الصامدين في القرى الحدودية. ورغم الشكاوى المستمرة من التهميش، إلا أن الضغوط الدولية والمطالبات في مجلس الأمن بدأت تسلط الضوء على حجم الكارثة الإنسانية والسيادية التي يفرضها الاحتلال في الجنوب السوري.





שתף את דעתך
بوابات عسكرية وقواعد ذكية: تفاصيل التوسع الإسرائيلي المتسارع في الجنوب السوري