فرضت التطورات الميدانية في جنوب لبنان، وتحديداً عبر استخدام حزب الله للمسيرات الشبحية، واقعاً جديداً تجاوز الحسابات العسكرية التقليدية للاحتلال الإسرائيلي. هذه الأدوات القتالية لم تكتفِ بضرب العمق، بل فرضت شروطاً دبلوماسية معقدة على المفاوض الأمريكي، مما أدى إلى تآكل القدرة الردعية لجيش الاحتلال الذي بات عاجزاً عن تكريس حضوره كقوة مهيمنة.
تحولت المنطقة الحدودية التي أرادها الاحتلال عازلة إلى ساحة استنزاف يومي تستهدف جنوده وآلياته، مما أفرغ الأهداف الاستراتيجية المعلنة منذ بداية العدوان في فبراير الماضي من مضمونها. وبدلاً من تدمير البنى التحتية للمقاومة، وجد الاحتلال نفسه في مواجهة هجمات مضاعفة وأكثر فاعلية، مما جعل العودة إلى واقع ما قبل اندلاع المواجهات أمراً مستحيلاً.
هذا الانكسار في السقوف لم يقتصر على الجبهة اللبنانية، بل امتد ليشمل الملف الإيراني ومنطقة الخليج العربي، حيث تراجعت الطموحات الأمريكية بشكل حاد. فبعد أن كانت واشنطن تتحدث عن إسقاط النظام الإيراني والسيطرة على موارد النفط، انتقلت إلى مربع القبول بالتخصيب النووي ضمن جداول زمنية مرتبطة بوقف التصعيد العسكري.
تجلت هذه التراجعات في توقيع مذكرة تفاهم في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وهو ما حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسويقه كإنجاز سياسي أمام الرأي العام. وفي الحقيقة، تعكس هذه المذكرة اعترافاً ضمنياً بفشل خيارات الضغط القصوى، والانتقال إلى مرحلة البحث عن مخارج تضمن الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.
على الجانب الإسرائيلي، يبدو الاستياء واضحاً من مسار مفاوضات إسلام آباد، إلا أن حكومة الاحتلال تحاول استثمار هذا المسار للدفع بمفاوضات واشنطن المتعلقة بلبنان. ويسعى الاحتلال للوصول إلى صيغة وقف إطلاق نار تضمن بقاءه في المنطقة العازلة لأطول فترة ممكنة، بالتنسيق مع أطراف لبنانية رسمية.
في المقابل، تبرز عقبة رئيسية تتمثل في موقف حزب الله والمقاومة اللبنانية، حيث يرفض الحزب أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً كاملاً وشاملاً لجيش الاحتلال من كافة الأراضي اللبنانية. كما يشترط الحزب تجميد كافة الأنشطة العسكرية الإسرائيلية قرب الحدود، وهو ما أوجد فجوة عميقة بين شركاء الحرب الذين بدأوا عدوانهم في الثامن والعشرين من فبراير.
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حاول جسر هذه الفجوة بتصريحات أكد فيها عدم وجود أطماع إسرائيلية في الأراضي اللبنانية، في محاولة لطمأنة الجانب اللبناني. وركز روبيو في رؤيته على ربط وقف إطلاق النار بوقف التهديدات المباشرة، متجاوزاً في الوقت الحالي ملف سلاح المقاومة وترسانتها العسكرية التي كانت هدفاً أولياً للعدوان.
المسيرات الشبحية حولت المنطقة الحدودية العازلة إلى ساحة قتل يُستهدف فيها جنود الاحتلال، ممزقة بذلك الفاعلية السياسية للآلة العسكرية الإسرائيلية.
المشهد في العراق لا ينفصل عن هذا السياق، حيث أفضت التوافقات السياسية إلى تشكيل حكومة جديدة برئاسة علي الزيدي، بعد استبعاد الأسماء التي كانت تثير جدلاً إقليمياً ودولياً. هذا الحل التوافقي جاء ليخرج الجانب الأمريكي من حرج الفشل السياسي، ويقدم صورة توحي بالانتصار في الظاهر بينما تخفي تنازلات جوهرية في الباطن.
التنازلات الأمريكية في الملف العراقي شملت رفع القيود عن الأموال العراقية المجمدة، والموافقة على الإفراج عن مبالغ ضخمة من مبيعات النفط بشكل شهري. هذه الخطوات المالية تعكس حاجة واشنطن لتثبيت الاستقرار في بغداد، حتى لو كان الثمن التخلي عن أدوات الضغط الاقتصادي التي مارستها لسنوات طويلة.
إن الإخراج السياسي المتوقع لنهاية الحرب في جنوب لبنان قد يشبه إلى حد كبير ما حدث في العراق وإسلام آباد، من حيث الاعتماد على الشخصيات الرسمية لإعلان الاتفاقات. ومع ذلك، تظل المقاومة اللبنانية حذرة من هذه السيناريوهات، لإدراكها أن السقوف الأمريكية تتسم بالهشاشة وقابلية الانهيار تحت ضغط الميدان.
لقد أتقن ترامب خلال الأشهر الماضية فن التراجع الإعلامي، محولاً الهزائم الاستراتيجية إلى انتصارات صورية عبر تغيير الأهداف المعلنة. فمن التهديد بالسيطرة على مضيق هرمز، انتهى الأمر بالاعتراف بالواقع الجيوسياسي الذي تفرضه القوى الإقليمية الصاعدة في المنطقة.
السقوف المتصدعة لترامب ونتنياهو في العراق ولبنان والخليج تكشف عن حقيقة واحدة، وهي أن موازين القوى لم تعد تسمح بفرض الإرادة المنفردة. فالتنازلات التي قدمتها الإدارة الأمريكية تبحث في جوهرها عن مقاربة زمنية تعيد المنطقة إلى واقع ما قبل فبراير، وهو واقع لم يعد متاحاً بالشكل القديم.
ختاماً، فإن المنطقة تعيش حالة من 'المعراج العكسي' للأهداف الطموحة التي وضعت في بداية المواجهة، حيث تلاشت أحلام الحسم السريع لصالح تسويات قسرية. إن الثبات الميداني في جنوب لبنان والتحولات السياسية في العراق فرضا واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه، مما يجعل أي حلول مستقبلية محكومة بنتائج الميدان لا بوعود الدبلوماسية.
إن تكرار نموذج التنازلات من إسلام آباد إلى بغداد وصولاً إلى بيروت، يؤكد أن القوة العسكرية لم تعد كافية لتحقيق المكاسب السياسية في بيئة إقليمية معقدة. ويبقى الرهان على قدرة الأطراف المحلية على التمسك بشروطها، في ظل تراجع السقوف الدولية التي بدت في وقت ما غير قابلة للكسر.





שתף את דעתך
تآكل الردع وتراجع السقوف: كيف أعادت الميادين صياغة شروط التفاوض من بيروت إلى بغداد؟