كشفت تقارير إعلامية فرنسية، استناداً إلى مذكرة سرية صادرة عن المكتب المركزي لمكافحة الجريمة المنظمة أن المغرب والجزائر يتربعان على عرش الدول التي يلجأ إليها الفارون من العدالة الفرنسية. وأوضحت الوثيقة المؤرخة في مطلع شهر مايو الجاري أن السلطات الأمنية تتابع تحركات مئات المطلوبين الذين اتخذوا من دول شمال أفريقيا ملاذاً للاختباء من الملاحقات القضائية.
وتشير البيانات الرسمية التي أعدتها 'الفرقة الوطنية للبحث عن الفارين' إلى أن المغرب يأتي في المرتبة الأولى عالمياً، حيث يُشتبه بوجود نحو 218 مطلوباً فرنسياً على أراضيه. وتأتي الجزائر في المرتبة الثانية مباشرة بوجود 124 شخصاً ملاحقاً، مما يضع البلدين في صدارة اهتمامات الأجهزة الأمنية الفرنسية الساعية لاسترداد المتورطين في قضايا جنائية مختلفة.
وأكدت المصادر أن تطور شبكات الجريمة المنظمة مكن بعض المجرمين المصنفين كـ 'خطرين جداً' من إدارة عملياتهم غير القانونية من خارج الحدود الفرنسية بكل أريحية. وتعتبر السلطات الفرنسية أن توقيف هؤلاء الأفراد يمثل أولوية قصوى لتقويض شبكات تهريب المخدرات الدولية والجريمة العابرة للحدود التي تهدد الأمن القومي الفرنسي.
وقد اعتمد المحققون في بناء هذا التصنيف على تحليل دقيق لنحو 3600 'نشرة حمراء' صادرة عن منظمة الشرطة الدولية (الإنتربول). كما شملت الدراسة تقييماً للدول التي توفر بيئة محتملة للاختباء، حيث ضمت القائمة إلى جانب المغرب والجزائر، كلاً من إسرائيل وتونس والإمارات العربية المتحدة بنسب متفاوتة من المطلوبين.
وتكشف المذكرة عن تباين ملحوظ في نوعية الجرائم المرتكبة بناءً على الوجهة التي يختارها الفارون؛ ففي إسرائيل تبلغ نسبة المطلوبين في قضايا مالية واقتصادية نحو 91%. أما في دولة الإمارات، فإن القضايا المالية تشكل 38% من إجمالي الملفات، مما يشير إلى توجه المتورطين في غسيل الأموال والاحتيال الضريبي نحو هذه المناطق.
وفيما يخص المغرب، أظهرت الإحصائيات أن قرابة نصف المطلوبين (49%) ملاحقون في قضايا تتعلق بتهريب وترويج المخدرات. كما يواجه 27% منهم تهماً تتعلق بالانخراط في منظمات إجرامية، بينما تقتصر القضايا المالية والاقتصادية على 11% فقط من مجموع الملاحقين الفرنسيين المتواجدين هناك.
التطورات الأخيرة في عالم الجريمة المنظمة سمحت لمجرمين خطرين بإدارة أنشطتهم من خارج فرنسا بقدر كبير من الهدوء.
أما في الحالة الجزائرية، فإن النسبة الأكبر من المطلوبين تندرج تحت قضايا 'الحق العام' بنسبة تصل إلى 47%. وتتوزع بقية النسب بين الجريمة المنظمة بنسبة 25%، وجرائم الاتجار بالمخدرات بنسبة 21%، وهو ما يعكس تنوع الخلفيات الجنائية للأشخاص الذين يختارون الجزائر كوجهة للفرار.
ولم تقتصر القائمة على الدول العربية وشمال أفريقيا فحسب، بل شملت أيضاً دولاً مثل تركيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة والسنغال وصربيا وتايلاند. وتعكس هذه الخارطة الجغرافية الواسعة التحديات الكبيرة التي تواجه القضاء الفرنسي في تعقب المطلوبين الذين يستغلون ثغرات التعاون الدولي للهروب من العقاب.
ويقر المحققون الفرنسيون بوجود عقبات قانونية وسياسية تحول دون استعادة هؤلاء الفارين، لا سيما أن العديد من الدول ترفض مبدأ تسليم مواطنيها إلى دول أخرى. هذا الوضع دفع الشرطة القضائية الفرنسية إلى إعداد قائمة خاصة تحت مسمى 'أهداف ذات أولوية' للتركيز على الرؤوس الكبيرة في عالم الجريمة.
وتهدف هذه الاستراتيجية الجديدة إلى تقليص شعور 'الإفلات من العقاب' لدى المجرمين الذين يعتقدون أن مغادرة الأراضي الفرنسية تعني نهاية الملاحقة. وتكثف فرنسا حالياً اتصالاتها الدبلوماسية والأمنية مع الدول المعنية لتفعيل اتفاقيات تسليم المجرمين وتعزيز التنسيق القضائي المشترك.
وفي سياق متصل، تثير هذه الأرقام تساؤلات حول فعالية الرقابة الحدودية والتعاون الأمني بين ضفتي المتوسط في مواجهة الجريمة المنظمة. ويرى مراقبون أن نشر هذه المعلومات في هذا التوقيت قد يضغط على الحكومات المعنية لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه المقيمين الأجانب المطلوبين دولياً.
ختاماً، تظل قضية الفارين من العدالة ملفاً شائكاً يؤثر على العلاقات الثنائية بين فرنسا والدول المذكورة في التقرير. ومع تزايد ضغوط الرأي العام الفرنسي لمكافحة الجريمة، يبدو أن باريس تتجه نحو تصعيد إجراءاتها القانونية لملاحقة 'أهدافها ذات الأولوية' أينما وجدوا.





שתף את דעתך
المغرب والجزائر يتصدران قائمة الملاذات الآمنة للمطلوبين للعدالة الفرنسية