تواجه الأجهزة الاستخبارية التابعة للاحتلال تحدياً أمنياً متزايداً مع الكشف المتكرر عن خلايا تجسس تعمل لصالح إيران داخل المجتمع الإسرائيلي. وأفادت مصادر أمنية بأن عمليات التجنيد لم تعد تقتصر على أفراد معزولين، بل امتدت لتشمل قطاعات متنوعة وعميقة في بنية الدولة العبرية، مما يشير إلى تغلغل مستمر منذ فترة طويلة.
وذكر المحلل الأمني آرييه إيغوزي أن طهران شنت على مدار سنوات حملة تجنيد مكثفة استهدفت إسرائيليين عبر منصات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتليغرام. وتعتمد هذه الحملات على استدراج الأهداف من خلال عروض مالية مقابل مهام تبدو بسيطة في بدايتها، لكنها تتطور إلى أعمال تخريبية وتجسسية خطيرة.
وتشير التقارير إلى أن المخابرات الإيرانية تستخدم أسلوب 'التجنيد الجماعي' عبر إرسال رسائل لآلاف الأشخاص باللغة العبرية، تعرض عليهم مبالغ تبدأ من 500 شيكل مقابل تصوير مواقع معينة. ومع مرور الوقت، يتم دفع المجندين نحو مهام أكثر تعقيداً تشمل توثيق تحركات كبار المسؤولين أو شراء مواد متفجرة وأسلحة.
وأعربت أوساط أمنية عن صدمتها من وصول الاختراق إلى الوحدات القتالية والحساسة في جيش الاحتلال، حيث لم يعد الأمر يقتصر على المدنيين. ففي يناير 2025، جرى اعتقال جندي احتياط يعمل في وحدة 'القبة الحديدية' للاشتباه في تسليمه مواد سرية وصوراً حساسة للجانب الإيراني مقابل مبالغ مالية طائلة.
ولم تتوقف الاختراقات عند هذا الحد، بل امتدت لتطال سلاح الجو الإسرائيلي، وهو العمود الفقري للأمن القومي للاحتلال. فخلال شهري مارس وأبريل من عام 2026، تم إلقاء القبض على فنيين اثنين بتهمة تسريب معلومات بالغة السرية تتعلق بأنظمة الطائرات المقاتلة وتفاصيل القواعد الجوية التي يعملان بها.
كما كشفت التحقيقات عن تورط أربعة جنود نظاميين في أنشطة تجسسية خلال فترة الحرب، شملت محاولات لتصنيع عبوات ناسفة ومتفجرات بتوجيهات خارجية. هؤلاء المجندون غالباً ما يتم اختيارهم من فئات هشة اجتماعياً، مثل الشباب المثقلين بالديون، أو العاطلين عن العمل، وحتى من بين المهاجرين الجدد والمتدينين.
وتصف المصادر الأمنية هؤلاء الجواسيس الجدد بأنهم يفتقرون غالباً للخلفية الاستخباراتية التقليدية، مما يجعل اكتشافهم أكثر صعوبة في البداية. وينزلق هؤلاء من تنفيذ مهام هامشية وتوزيع منشورات إلى الوقوع في فخ 'الخيانة العظمى' ومساعدة العدو في زمن الحرب، وهي جرائم يعاقب عليها القانون الإسرائيلي بشدة.
المواجهة مع إيران لم تنته، ومدفوعين برغبة الانتقام، سيبذل الإيرانيون قصارى جهدهم لإلحاق الضرر بإسرائيل عبر شبكات تجسس واسعة.
وفي ظل هذا التصاعد، تزايدت المطالبات داخل المؤسسة الأمنية بضرورة تشديد العقوبات القضائية لتصل إلى الحد الأقصى. ويرى مراقبون أن العقوبات الحالية، رغم وصولها نظرياً للإعدام أو السجن المؤبد، لم تكن رادعة بما يكفي لمنع تكرار هذه الحالات التي أصبحت تشكل 'روتيناً مروعاً' في الأروقة الأمنية.
ويؤكد خبراء أمنيون أن إيران نجحت في بناء شبكة تجسس عالمية، وأن إسرائيل تقع في قلب هذا الاستهداف المستمر. ويحذر هؤلاء من أن المواجهة الاستخباراتية لن تتوقف حتى في فترات الهدوء العسكري، حيث تسعى طهران لاستعادة قدراتها وجمع أكبر قدر من المعلومات الحيوية عن البنية التحتية العسكرية الإسرائيلية.
ويقوم جهاز 'الشاباك' حالياً بجهود مضاعفة لملاحقة المتورطين وتفكيك المجموعات الوهمية على تطبيق تليغرام التي تستخدم كواجهات للتجنيد. وتعتبر هذه المجموعات وسيلة فعالة للتواصل المشفر وتكليف المهام بعيداً عن الرقابة التقليدية، مما يتطلب تقنيات تعقب متطورة لمواجهتها.
إن طبيعة الأشخاص المجندين تعكس استراتيجية إيرانية ذكية في اختيار 'الأهداف السهلة' التي لا تثير الشبهات، مثل المجرمين الصغار أو الأشخاص الذين يمرون بأزمات مالية. هذا التنوع في خلفيات الجواسيس يجعل من الصعب وضع بروفايل محدد للمشتبه بهم، مما يزيد من تعقيد المهمة الأمنية الوقائية.
وتشير التحليلات إلى أن الرغبة الإيرانية في الانتقام تدفعها لتمويل هذه العمليات بسخاء، حيث يتم تحويل آلاف الدولارات للمجندين الذين ينجحون في اختراق المنظومات الدفاعية. هذا الإغراء المالي يجد صدى لدى فئات تعاني من ضغوط اقتصادية داخل المجتمع الإسرائيلي، مما يحول التجسس إلى وسيلة سريعة للكسب.
ويشدد المحللون على أن المحاكم المدنية والعسكرية مطالبة الآن بفرض أحكام قاسية جداً لتكون بمثابة رسالة تحذيرية لكل من يفكر في التعاون مع الجهات الخارجية. فبدون عقوبات رادعة، قد يتحول هذا التغلغل إلى 'وباء' لا يمكن السيطرة عليه، مما يهدد أمن القواعد العسكرية والمنشآت الاستراتيجية بشكل مباشر.
ختاماً، يبقى الصراع الاستخباراتي بين طهران وتل أبيب في ذروته، مع استمرار المحاولات الإيرانية لابتكار أساليب تجنيد جديدة تتجاوز الأنماط الكلاسيكية. وتظل قدرة أجهزة أمن الاحتلال على كشف هذه الخلايا قبل تنفيذ عمليات تخريبية كبرى هي الاختبار الحقيقي في هذه المواجهة المفتوحة.





שתף את דעתך
اختراقات عميقة.. مخاوف إسرائيلية من تحول التجسس الإيراني إلى 'وباء' داخل الجيش والمجتمع