سجلت الأوساط الرياضية والسياسية موقفاً لافتاً للفريق جبريل الرجوب، حينما رفض بشكل قاطع مصافحة رئيس الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم خلال أعمال الجمعية العمومية للاتحاد الأوروبي. هذا الموقف الذي حدث تحت أنظار الوفود الدولية، يعكس حالة الرفض الشعبي والسياسي الفلسطيني لأي شكل من أشكال التطبيع في ظل استمرار العدوان.
ورغم المحاولات الحثيثة التي بذلها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو، لترتيب لقطة بروتوكولية تجمع الطرفين، إلا أن الإصرار الفلسطيني حال دون ذلك. يبدو أن إنفانتينو كان يعتقد أن مجرد مصافحة عابرة كفيلة بتجاوز إرث ثقيل من الدماء والحقد المتراكم جراء سياسات الاحتلال المستمرة منذ عقود.
إن الرفض الفلسطيني لوضع اليد في يد ممثلي الكيان الصهيوني ليس مجرد سلوك عاطفي، بل هو موقف مبدئي يحمي الهوية الوطنية من التآكل. فالمسؤول الإسرائيلي في هذه المحافل لا يمثل نفسه، بل يمثل منظومة سياسية وعسكرية يقودها أفراد ملاحقون دولياً بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين.
لقد انتهت بلا رجعة مرحلة النفاق السياسي التي كانت تحاول تجميل وجه الاحتلال عبر البوابات الرياضية أو الثقافية. إن اللحظة التاريخية الراهنة تفرض قطيعة تامة مع عدو يخطط بوضوح لاستئصال الوجود الفلسطيني من الأرض، مما يجعل أي تقارب بمثابة طعنة في تضحيات الشعب الفلسطيني.
تجاوزت الحرب الدائرة حالياً حدود الصراع السياسي التقليدي، لتتحول إلى حالة من التوحش المطلق الذي يستهدف الأرض والإنسان معاً. وفي ظل هذا الواقع، يصبح من المستحيل على أي شخصية وطنية نزيهة أن تقبل بالجلوس أو مصافحة من يشرعن هذه الجرائم أو يمثلها في المحافل الدولية.
المواقف المشابهة في التاريخ القريب تعزز هذا النهج، مثلما حدث في مؤتمر روما حين رفض أكاديميون تونسيون الصعود إلى منصة يشارك فيها ممثلون عن الاحتلال. هذه المواقف تنبع من إدراك عميق بأن الصهاينة يستخدمون هذه اللقاءات كأدوات دعائية لتضليل الرأي العام العالمي وإظهار صورة زائفة عن التعايش.
إن المقاطعة الشاملة يجب أن تمتد لتشمل كافة المجالات دون استثناء، سواء كانت رياضية أو أكاديمية أو اقتصادية. عندما يكون الوطن تحت وطأة الاغتصاب والتهجير، تتحول المقاطعة من خيار سياسي إلى واجب وطني مقدس لا يقبل القسمة على اثنين أو المهادنة.
من يقبل من الفلسطينيين أن يضع يده في يد صهيوني سيكون قد حكم على نفسه بالمسخ والانتحار السياسي.
الوجود بجانب ممثلي الاحتلال في صورة واحدة هو نفي للذات الفلسطينية واغتيال لمعاني الانتماء للقضية. وكل خطوة في اتجاه التوافق مع هؤلاء هي رهان على وهم زائف، وخدمة مجانية لكيان يسعى لتقسيم الصف الفلسطيني وإضعاف الجبهة الداخلية والمناصرين الدوليين.
يصف مراقبون قادة الاحتلال الحاليين بأنهم 'نازيون جدد' يجب عزلهم دولياً بمختلف الوسائل المتاحة. هؤلاء لا يحترمون المواثيق الدولية، ويدوسون على حقوق الإنسان، ويستخدمون الحوار فقط كغطاء لمواصلة سياساتهم التوسعية والعنصرية في الأراضي المحتلة.
إن حجم الدمار في قطاع غزة، وسقوط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، يضع مسؤولية ثقيلة على عاتق كل مسؤول فلسطيني. لا يمكن لأي كادر وطني أن يشطب هذه التضحيات من الذاكرة الإنسانية مقابل لقطة تذكارية في مؤتمر دولي أو اجتماع رياضي عابر.
الرياضة لا يمكن أن تكون غطاءً لإخفاء الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، أو وسيلة لتبييض صفحة كيان يمارس القتل العلني. إن محاولات الاحتلال المستمرة للبحث عن 'كومبارس' فلسطيني أو عربي للمشاركة في مسرحيات السلام الزائف لن تنجح أمام وعي الشعوب.
إسرائيل اليوم مثقلة بالجرائم والانتهاكات، وقادتها يبحثون بيأس عمن يشاركهم هذا الحمل الثقيل لتخفيف الضغط الدولي عنهم. إنهم يحاولون إعادة تقديم أنفسهم كشركاء في السلام، بينما الحقيقة التي تعرفها المحاكم الدولية هي أنهم مجرمو حرب ولصوص أراضٍ.
إن التمسك بموقف المقاطعة في المحافل الرياضية الدولية هو جزء من معركة السيادة والرواية التي يخوضها الفلسطينيون. كل رفض للمصافحة هو رسالة للعالم بأن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الجرائم لا تمحى بابتسامات زائفة أمام كاميرات الإعلام.
في الختام، يبقى الرهان على ثبات الموقف الوطني الفلسطيني في وجه الضغوط الدولية التي تمارسها مؤسسات مثل الفيفا. إن القطيعة مع الاحتلال هي المسار الوحيد الذي يحفظ كرامة الشهداء ويؤكد على استحالة التعايش مع منظومة الاستعمار والفصل العنصري.





שתף את דעתך
موقف الرجوب في الفيفا: لماذا تعد المقاطعة الشاملة واجباً وطنياً لا خياراً؟