ג 05 מאי 2026 9:40 am - שעון ירושלים

بين نبض الانتخابات واحتضار السياسة

في لحظة تبدو فيها الحياة السياسية الفلسطينية وكأنها تترنح بين الجمود والتآكل، تبرز بعض الاستحقاقات الانتخابية كنبض خافت يحاول إعادة الدم إلى الشرايين. ليست انتخابات البلديات ولا انتخابات حركة فتح مجرد إجراءات تنظيمية روتينية، بل يمكن قراءتها كإشارات، ولو محدودة، على إمكانية إنعاش واقع سياسي يقترب من مرحلة الاحتضار.

على مستوى البلديات، تمثل الانتخابات مساحة نادرة يلتقي فيها المواطن مع السياسة بعيدًا عن الشعارات الكبرى والانقسامات الحادة. هنا، تصبح قضايا الماء والطرق والنفايات مدخلًا لإعادة بناء الثقة، ولو جزئيًا، بين الناس والمؤسسات. وحين يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع ليختار مجلسًا محليًا، فهو لا يمارس حقًا إداريًا فقط، بل يختبر أيضًا إمكانية التغيير من داخل النظام، بدل الارتهان الكامل لحالة العجز العامة.

لكن هذه المساحة، رغم أهميتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تُستكمل بإصلاحات أعمق. فالبلديات، مهما نجحت، لا تستطيع وحدها تعويض غياب الأفق السياسي العام أو حل أزمة التمثيل الوطني. ومع ذلك، فإن مجرد انتظام العملية الانتخابية، ووجود تنافس، وإن كان جزئيًا أو محكومًا بقيود، يُعد كسرًا لحالة الركود الطويلة.

أما على صعيد حركة فتح، فإن أي انتخابات داخلية تحمل دلالات تتجاوز الإطار التنظيمي. الحركة التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري للنظام السياسي الفلسطيني، تجد نفسها اليوم أمام تحدي إعادة تعريف دورها واستعادة حيويتها. الانتخابات الداخلية ليست فقط آلية لاختيار قيادات جديدة، بل هي اختبار لقدرة الحركة على تجديد نفسها، واستيعاب التحولات، وإعادة ضخ شرعية داخلية افتقدتها مع مرور الزمن.

غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل هذه الانتخابات تعكس إرادة حقيقية للإصلاح، أم أنها مجرد إعادة ترتيب داخل نفس البنية؟ فالتجديد لا يقاس فقط بتغيير الأسماء، بل بمدى القدرة على إنتاج رؤية سياسية مختلفة، والانفتاح على مشاركة أوسع، والتعامل بجدية مع أزمات الثقة المتراكمة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية ألا تتحول الفصائل الفلسطينية إلى عائق أمام الوعي الجماهيري، أو حاجزٍ يحدّ من قدرته على التفاعل مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والتنظيمية والإدارية. فالجمهور لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل بات شريكًا في إدراك التعقيدات اليومية وصناعة الموقف. وعليه، فإن المطلوب من هذه الفصائل ليس مصادرة هذا الوعي أو احتواؤه قسرًا، بل احتضانه والتماهي مع تطلعاته، بما يضمن إعادة بناء الثقة بين القاعدة الشعبية والبنى التنظيمية، بدل توسيع الفجوة بينهما.

ما بين البلديات وفتح، تتشكل لوحة معقدة: هناك حراك، لكنه حذر؛ وهناك انتخابات، لكنها محاطة بالشكوك. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن أي فعل انتخابي، في سياق يعاني من الانقطاع، يمثل بحد ذاته فعل مقاومة للجمود.

ربما لا تكفي هذه الاستحقاقات لإنقاذ واقع سياسي يحتضر، لكنها تذكّر بأن الحياة لم تغادره بالكامل بعد. في التفاصيل الصغيرة، وفي صناديق الاقتراع المحلية والتنظيمية، قد تبدأ ملامح استعادة تدريجية لسياسة فقدت بوصلة التمثيل، لكنها لم تفقد بعد إمكانية استعادتها.

غير أن هذا النبض الخافت، مهما بدا واعدًا، لن يكون كافيًا لإعادة الحياة إلى النظام السياسي الفلسطيني ما لم يُستكمل باستحقاقاته الكبرى: انتخابات رئاسية وتشريعية حرة، تُعيد تعريف الشرعية وتفتح الباب أمام تداول حقيقي للسلطة. فالمشكلة لم تعد فقط في غياب الآليات، بل في ضيق الأفق السياسي الذي حوّل العملية الديمقراطية إلى استثناء بدل أن تكون قاعدة.

إن أي محاولة لإنعاش الواقع السياسي دون تجديد شامل ستبقى أشبه بترميم سطحٍ متصدع، بينما الأساسات نفسها تحتاج إلى إعادة بناء. من هنا، تبرز ضرورة تشجيع نشوء أحزاب سياسية جديدة، متحررة من إرث ثقيل كبّل الخيال السياسي لعقود، وأعاق قدرة النظام على التكيف مع التحولات العميقة التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، سواء داخليًا أو في علاقته مع محيطه.

فالمرونة يجب أن تكون عنوان المرحلة، لا كشعار، بل كممارسة فعلية تُترجم في البرامج والسياسات وآليات العمل. ولم يعد مقبولًا أن تكتفي الحركات التقليدية بتغيير مسمياتها أو إعادة تدوير خطابها، بينما تظل أهدافها وأساليبها حبيسة الماضي. التغيير الحقيقي يقتضي مراجعة جذرية: في الرؤية، وفي أدوات الفعل السياسي، وفي شكل العلاقة مع الجمهور.

لقد راكمت هذه الحركات إرثًا نضاليًا لا يمكن إنكاره، لكنه تحول مع الوقت إلى عبء حين أُحيط بهالة من القدسية والكاريزما، جعلت النقد الداخلي صعبًا، والتجديد مخاطرة مؤجلة. وهنا تكمن المفارقة: فبينما تدرك هذه القوى، بدرجات متفاوتة، عمق الأزمة التي تواجهها، إلا أن استجابتها ما تزال دون مستوى التحدي.

ولكن لن تعود الحياة إلى النظام السياسي الفلسطيني إلا بانتخابات رئاسية وتشريعية حرة، مع التشجيع على إنشاء أحزاب جديدة متحررة من إرث قد يكون ثقيلاً وعائقًا أمام التغيير ومواكبة التغيرات التي ألمّت بالشعب الفلسطيني. المرونة يجب أن تكون عنوان المرحلة، بل ضرورة وجودية. وحتى الحركات القديمة مطالبة بأن تتبنى توجهات ومقاربات تفضي إلى التغيير، ليس فقط في مسمياتها، بل في أهدافها وأساليبها وآليات عملها للتوافق مع المرحلة الحالية. فالإرث الجامد الذي اكتسب قدسية وكاريزما جعل العديد من الحركات تتمسك بأمجادها أكثر مما تنفتح على المستقبل، ومع أن هناك إدراكًا داخلها لهذا الواقع، إلا أن التغيير لا يزال دون المستوى المطلوب.

قد يعتقد المراقبون أن هذه الاستحقاقات اختيارية، ولكن على التنظيمات، وعلى رأسها فتح، أن تعي أن الإبقاء على هذا النمط أو إعادة إنتاج الفشل لن يمر دون كلفة سياسية، بل قد يدفع الشعب الفلسطيني إلى تجاوزها إذا لم يحدث تغيير جوهري يصنع الأمل ويُبشّر بقدرات حقيقية على المبادرة وتمكين الصمود.

التغيير لا يحدث بالوعي وحده، بل بالإرادة السياسية والقدرة على اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة على المدى القصير، لكنها ضرورية للبقاء على المدى الطويل. أما الاكتفاء بإدارة الأزمة، أو تأجيل المواجهة مع استحقاقات الإصلاح، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين النظام السياسي والمجتمع.

وفي هذا السياق، لا تبدو انتخابات البلديات أو حتى الانتخابات الداخلية للفصائل سوى خطوة أولى في مسار طويل. المسار الذي، إن لم يُستكمل بإعادة بناء شاملة تقوم على التعددية، والتجديد، والانفتاح، سيبقى عاجزًا عن إنقاذ واقع لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل.

إن اللحظة الراهنة لا تتطلب فقط إصلاحًا، بل شجاعة سياسية تعيد تعريف الممكن، وتكسر القوالب الجامدة، وتُفسح المجال أمام أجيال جديدة تحمل تصورات مختلفة. وحدها هذه الدينامية قادرة على تحويل الإشارات الخافتة إلى مسار حقيقي يعيد للسياسة معناها، وللمجتمع ثقته، وللنظام قدرته على الاستمرار.

תגים

שתף את דעתך

بين نبض الانتخابات واحتضار السياسة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.