بعد مرور خمسة وثلاثين عاماً على عرضه الأول في مهرجان كان السينمائي عام 1991، يعود فيلم 'ثيلما ولويزا' إلى واجهة الأحداث الفنية مجدداً. وقد اختارت إدارة المهرجان صورة بطلتي العمل لتكون الملصق الرسمي لدورته التاسعة والسبعين، التي من المقرر أن تنطلق فعالياتها في الثاني عشر من مايو الجاري.
يظهر الملصق المصمم بتقنية الأبيض والأسود النجمتين سوزان ساراندون وجينا ديفيس على متن سيارة 'فورد ثندربيرد' مكشوفة. وتجسد هذه الصورة لحظة الهروب والتمرد التي ميزت الفيلم، معبرة عن فلسفة العمل التي قلبت تقاليد أفلام الجريمة والهروب في السينما الأمريكية رأساً على عقب.
أوضحت إدارة المهرجان في بيان رسمي أن اختيار هذا الفيلم يعود إلى كونه يعكس موضوعات متقدمة على عصرها ولا تزال تلامس الواقع الراهن. فقد حطمت بطلتا العمل الصور النمطية الاجتماعية والسينمائية، وجسدتا قيم الحرية المطلقة والصداقة الراسخة التي لا تزال تحتفظ بقوتها وتأثيرها.
يعد الفيلم الذي أخرجه ريدلي سكوت عام 1991 نقطة تحول جوهرية في هوليوود، حيث وضع امرأتين في قلب حكاية 'سينما الطريق' التي كانت حكراً على الرجال. وحول العمل الطريق من مجرد مسار جغرافي إلى مساحة واسعة لاكتشاف الذات والتمرد على الأدوار التقليدية المفروضة مجتمعياً.
تكمن ثورية الفيلم في طريقته الفريدة لإعادة تعريف سينما الطريق، وهي النوع الذي يتناول التحولات الداخلية للأبطال بالتوازي مع رحلتهم الخارجية. فبينما كانت هذه الأفلام ترتبط تاريخياً بصداقات ذكورية، جاء 'ثيلما ولويزا' ليمنح البطولة المطلقة للمرأة في مواجهة العنف والوصاية.
تبدأ أحداث الفيلم برحلة بسيطة لصديقتين، ثيلما الزوجة التي تعاني من سوء المعاملة، ولويزا النادلة التي تبحث عن استقرار عاطفي. لكن هذه العطلة القصيرة تتحول سريعاً إلى مواجهة مفتوحة مع المجتمع والقانون بعد حادثة اعتداء تضطران فيها للدفاع عن أنفسهما.
لا يقدم المخرج ريدلي سكوت أفعال البطلتين بوصفها رغبة في العنف المجرد، بل يصورها كنيتجة لمسار طويل من الإهانة وانسداد الخيارات. فالجرائم التي ترتكبها الصديقتان تأتي في سياق الانتصار للكرامة الشخصية بعد استنفاد كافة السبل التقليدية لحل مشكلاتهما.
الفيلم شكّل علامة فارقة في تمثيل النساء على الشاشة، وكان من أوائل أفلام الطريق ذات الطابع النسوي في تاريخ السينما العالمية.
شهد الفيلم أيضاً ظهوراً لافتاً للنجم براد بيت في واحد من أدواره الأولى، حيث لعب دور الشاب 'جي.دي' الذي يمثل اختباراً جديداً لثقة ثيلما بنفسها. وقد عكس هذا الدور المقاربة الثورية للفيلم، حيث ركزت الكاميرا على جسد الرجل من خلال رؤية ورغبة المرأة، خلافاً للسائد في هوليوود.
يعود الفضل في القوة الدرامية للعمل إلى كاتبة السيناريو الأمريكية من أصل لبناني كالي خوري، التي استطاعت صياغة نص سينمائي استثنائي. وقد توجت خوري بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي عام 1992، مخلدة اسمها كواحدة من أبرز الكاتبات في تلك الحقبة.
رغم ترشح الفيلم لست جوائز أوسكار، إلا أن المنافسة كانت شرسة في ذلك العام مع فيلم 'صمت الحملان'. ومع ذلك، ظل 'ثيلما ولويزا' محتفظاً بمكانته ككلاسيكية حديثة تتجاوز قيمتها الجوائز الموسمية، لتصبح مرجعاً أساسياً في الدراسات السينمائية والنسوية.
يقارن النقاد غالباً بين هذا العمل وفيلم 'بوني وكلايد' الشهير، معتبرين إياه النسخة الأنثوية المعاصرة من ثنائي الجريمة والطريق. ويشترك الفيلمان في ربط الجريمة بمشاعر التحرر الشخصي، وقدرتهما على كسب تعاطف الجمهور رغم خروج الأبطال عن القانون.
استخدم المخرج ريدلي سكوت في افتتاحية الفيلم كادرات تقترب من الأبيض والأسود لتصوير الطرق الصحراوية، وهو ما استلهمته إدارة مهرجان كان في ملصقها الجديد. هذا التناغم البصري يعكس الثنائيات التي تحركت بينها البطلتان، مثل الحرية والقيد، والهروب واكتشاف الذات.
تظل النهاية المفتوحة للفيلم، حيث تنطلق الصديقتان بسيارتهما نحو المنحدر هرباً من حصار الشرطة، واحدة من أشهر المشاهد الختامية في تاريخ السينما. إنها نهاية ترفض الاستسلام للواقع وتختار المضي في طريق الحرية حتى الرمق الأخير، مما يفسر استمرار جاذبية الفيلم.
إن احتفاء مهرجان كان بفيلم 'ثيلما ولويزا' في عام 2026 هو تأكيد على أن السينما العظيمة لا تشيخ بمرور الزمن. فمن خلال هذا الملصق، يوجه حاضر الفن السابع تحية تقدير لماضيه الذي تجرأ على كسر القواعد وتقديم رؤى إنسانية ونسوية مغايرة.





שתף את דעתך
مهرجان كان يحتفي بكلاسيكية 'ثيلما ولويزا' ملصقاً لدورته الـ 79