تتصاعد المؤشرات الميدانية والسياسية داخل الولايات المتحدة حول تدهور حاد في صورة دولة الاحتلال، حيث لم يعد هذا التراجع مقتصرًا على الأوساط الشعبية بل امتد ليشمل المؤسسات الأكاديمية المرموقة وأروقة صنع القرار في واشنطن. وتؤكد تقارير عبرية أن المنظومة الغربية باتت تشهد تحولاً جذرياً في التعاطي مع الرواية الإسرائيلية، وسط انتقادات حادة لآليات القمع والاحتلال المستمرة.
في جامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس (UCLA)، سجل مجلس الطلاب موقفاً لافتاً بإدانة منظمة يهودية استضافت أسيراً إسرائيلياً سابقاً، معتبرين أن المحاضرة تروج لسردية أحادية الجانب. وجاء هذا الموقف احتجاجاً على تجاهل معاناة الضحايا الفلسطينيين في غزة ولبنان، مما يعكس تغيراً في موازين القوى الطلابية التي كانت تميل تاريخياً لصالح الاحتلال.
وعلى الجانب الآخر في جامعة بيركلي، نظمت حركة 'طلاب من أجل العدالة في فلسطين' لقاءً عبر تقنية الفيديو مع الأسيرة الفلسطينية المحررة إسراء جعابيص. هذا الحدث أثار قلقاً واسعاً في الأوساط الإسرائيلية، كونه يعكس مستوى عالٍ من التسامح والتعاطف مع الشخصيات التي يصفها الاحتلال بـ'الإرهابية'، مما يشير إلى فشل ذريع في تسويق الرواية الأمنية الإسرائيلية.
تشير القراءات التحليلية إلى أن مستوى دعم الأمريكيين لإسرائيل انخفض بشكل دراماتيكي منذ اندلاع حرب السابع من أكتوبر. وفي بعض المحطات الزمنية، فاق التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين نظيره مع الإسرائيليين، وهو تحول استراتيجي يهدد العمق الحيوي الذي كانت تتمتع به تل أبيب في المجتمع الأمريكي بمختلف فئاته.
لم يتوقف هذا التآكل عند حدود الحرم الجامعي، بل وصل إلى قلب المؤسسة التشريعية الأمريكية 'الكونغرس'. فبعد أن كان السيناتور بيرني ساندرز وحيداً تقريباً في محاولاته لمنع بيع الأسلحة لإسرائيل قبل عام، انضم إليه مؤخراً نحو 39 سيناتوراً ديمقراطياً، مما يعكس ضغطاً متزايداً من القاعدة الانتخابية على المشرعين.
هذا التحول داخل مجلس الشيوخ يفسره مراقبون بأنه نتيجة مباشرة لتغير الرأي العام الأمريكي الذي بدأ يضيق ذرعاً بالسياسات العسكرية الإسرائيلية. وبات المشرعون يدركون أن الاستمرار في الدعم المطلق قد يكلفهم أثماناً سياسية باهظة، خاصة في ظل البراعة التي يبديها التيار التقدمي في تسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان.
وتنتقد أوساط إعلامية إسرائيلية غياب استراتيجية واضحة للدبلوماسية العامة، معتبرة أن الحكومة الحالية تكتفي برفض الادعاءات الدولية دون تقديم بديل مقنع. وترى هذه الأوساط أن الاكتفاء بالقوة العسكرية دون الاهتمام بـ'حرب الوعي' أدى إلى عواقب وخيمة على مكانة الدولة في المحافل الدولية.
الرواية الإسرائيلية لم يعد أحد يهتم بتنميتها، بينما يبذل الطرف الآخر جهوداً جبارة لتشويه سمعتنا، والنتيجة هي تآكل مكانتنا الدولية.
وتشير المصادر إلى أن إسرائيل تواجه اليوم أخطر أزمة رأي عام في تاريخها، حيث فشلت القيادة السياسية في فصل صورة الدولة عن ممارسات الحكومة المتطرفة. هذا الفشل أدى إلى خلق حالة من الاستياء العالمي، حيث بات ينظر إلى إسرائيل ككيان منبوذ في بعض الأوساط الغربية نتيجة لسياسات الوزراء المتطرفين.
المقارنات الدولية تظهر حجم المأزق الإسرائيلي، فبينما لا يتعرض مواطنو دول أخرى مثل روسيا أو المجر لمضايقات دولية بسبب سياسات قادتهم، يجد الإسرائيليون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الغضب العالمي. هذا التمييز يعود بحسب محللين إلى طبيعة الصراع والاحتلال الطويل الذي بات يمثل عبئاً أخلاقياً على الضمير العالمي.
الدبلوماسية العامة الإسرائيلية تعاني من إهمال وصفه البعض بـ'المجرم'، حيث لم يتم استثمار الموارد الكافية لتطوير السردية الإسرائيلية خلال سنوات الحرب. وفي المقابل، نجحت الحركات المؤيدة لفلسطين في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الأكاديمية لتفكيك الأساطيل الإعلامية التي كانت تعتمد عليها تل أبيب تاريخياً.
وتؤكد التقارير أن الحكومة الإسرائيلية وقعت في فخ الاعتقاد بأن التفوق العسكري يغني عن القبول الدولي، وهو وهم بدأ يتلاشى مع تزايد العزلة الدبلوماسية. إن السيطرة على الميدان لا تعني بالضرورة النجاح في كسب العقول والقلوب، خاصة في ظل وجود توثيق حي ومباشر للجرائم المرتكبة في قطاع غزة.
شخصية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باتت تشكل عائقاً إضافياً أمام تحسين صورة إسرائيل في الخارج، حيث تحول من 'رجل دولة' بنظر حلفائه إلى عبء سياسي. وتجد الدوائر الدبلوماسية صعوبة بالغة في الدفاع عن سياسات نتنياهو التي تتصادم بشكل مستمر مع قيم المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية.
إن الواقع الجديد الذي تعيشه إسرائيل يتطلب تأقلماً لم تعهده من قبل، حيث تسير الآن على حبل مشدود بين الحفاظ على تحالفاتها التقليدية ومواجهة موجة الرفض المتصاعدة. وتعتبر تصريحات بعض الوزراء المتطرفين بمثابة 'صفعة' في وجه الغرب، مما يعمق الفجوة بين تل أبيب وحلفائها التاريخيين في واشنطن وبروكسل.
في الختام، يظهر المشهد الأمريكي الحالي أن إسرائيل تخسر معركتها في 'حرب الوعي' بشكل متسارع، وأن استعادة الثقة الدولية تتطلب أكثر من مجرد حملات إعلانية. إن التغيير المطلوب يبدأ من مراجعة السياسات الميدانية وإنهاء الاحتلال، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل التركيبة الحكومية الحالية التي تفضل المواجهة على الدبلوماسية.





שתף את דעתך
تآكل السردية الإسرائيلية في واشنطن: تحولات كبرى في الجامعات والكونغرس