في المجتمعات التي تعاني من اختلال موازين العدالة، يتجاوز المرض كونه مجرد عارض طبي ليتحول إلى اختبار قسري للقدرة المالية. المريض اليوم لا يطرق أبواب المستشفيات متسلحاً بحقه الدستوري في العلاج، بل بما يملكه في جيبه من مدخرات، حيث تحول السؤال الجوهري من 'ماذا يؤلمك؟' إلى 'كم تستطيع أن تدفع؟'.
إن أزمة الرعاية الصحية الراهنة ليست مجرد نقص في الكوادر أو التجهيزات، بل هي أزمة عدالة بنيوية تحدد من يستحق الحياة ومن يُترك لمصيره. عندما يصبح الدخل هو المعيار الوحيد للوصول إلى الخدمة الطبية، فإننا نكون أمام نظام يقصي الفئات الأضعف ويجعل من الصحة امتيازاً لا حقاً.
تشير الأرقام الصادرة عن البنك الدولي إلى واقع مؤلم، حيث بلغت نسبة الإنفاق المباشر من جيوب الأسر في مصر نحو 57.2% من إجمالي الإنفاق الصحي في عام 2023. هذه النسبة المرتفعة تعني أن عبء المرض ينتقل بشكل كامل إلى كاهل الأسرة، مما يحول الأزمات الصحية إلى كوارث معيشية مدمرة.
القدرة على العلاج لا يمكن قياسها بالدخل الاسمي للمواطن، بل بما يتبقى له بعد تأمين الاحتياجات الأساسية من طعام ومسكن ومواصلات. وعندما تلتهم الفحوصات الطبية والأدوية هذا المتبقي الضئيل، يجد المريض نفسه مضطراً للمفاضلة بين صحته وبين استقرار أسرته المالي، مما يؤدي غالباً إلى تأجيل العلاج.
تبدأ جذور الخلل من التلاعب في السجلات الرسمية للأجور، حيث يُسجل العامل بأجر تأميني يقل كثيراً عن دخله الحقيقي. هذا الانتقاص المتعمد يقلص حدود الحماية الاجتماعية قبل أن تبدأ رحلة المرض، ويجعل المريض محاصراً بين تغطية تأمينية هزيلة وتكلفة علاجية باهظة وغير مفهومة.
يواجه المرضى غموضاً كبيراً في تحديد 'نسبة التحمل' المالية، حيث تظل الأسس الحسابية لهذه النسب طي الكتمان. فالسؤال الذي يتهرب الجميع من إجابته هو: هل تُحسب مساهمة المريض بناءً على السعر التعاقدي المخفض بين شركة التأمين والمستشفى، أم على السعر المرتفع المعلن للجمهور؟
إن الفارق بين السعرين ليس مجرد تفصيل إداري بسيط، بل هو الفاصل بين قدرة المريض على سداد فاتورته وبين وقوعه في فخ الديون. فإذا كانت الخدمة تُكلف تعاقدياً مبلغاً معيناً، فمن الإجحاف إلزام المريض بدفع نسبة من سعر وهمي مضخم، مما يزيد من أعبائه المالية دون وجه حق.
لا يذهب الناس إلى الوهم لأنهم يرفضون العلم، بل لأنهم يعجزون عن تحمل كلفة الوصول إليه.
الشفافية في القطاع الطبي ليست ترفاً، بل هي ضرورة أخلاقية وقانونية تمنع تحول الحق في العلاج إلى صدمة مالية غير متوقعة. يجب أن يحصل كل مريض على فاتورة مفصلة توضح سعر الخدمة الفعلي ونسبة التحمل وأساس الحساب بوضوح تام قبل البدء في أي إجراء علاجي.
عندما تصبح المنظومة الرسمية للعلاج معقدة مالياً ومبهمة إدارياً، يزدهر تلقائياً سوق البدائل الهشة والوصفات غير العلمية. إن لجوء الناس إلى 'الوهم العلاجي' ليس ناتجاً عن الجهل في المقام الأول، بل هو نتيجة مباشرة للإقصاء المادي الذي يمارسه النظام الصحي الرسمي ضدهم.
لا يمكن محاربة الخرافات الطبية بالوعظ والإرشاد فقط، بل بتسهيل الوصول إلى العلم والطب الحقيقي بتكلفة عادلة. المواطن الذي يجد مساراً علاجياً واضحاً وتكلفة مقدورة لن يغامر بحياته في تجارب مضللة، لكنه يضطر لذلك حين يجد أبواب المستشفيات موصدة بمتطلبات مالية تعجيزية.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من فرض مبدأ 'العلاج في النور'، عبر إلزام كافة مقدمي الخدمة بإعلان التكاليف المتوقعة كتابياً قبل مباشرة العلاج. هذا الإجراء يضمن للمريض حقه في المعرفة ويحميه من الإضافات المالية المفاجئة التي تظهر عادة في نهاية الرحلة العلاجية.
من الضروري أيضاً ربط مساهمة المريض بالسعر التعاقدي الفعلي للخدمة، مع وضع سقف سنوي للإنفاق المباشر من جيب المواطن. هذا السقف يحمي أصحاب الأمراض المزمنة ومحدودي الدخل من الانهيار المالي، ويضمن أن تظل الرعاية الصحية مظلة واقية لا سيفاً مسلطاً على الرقاب.
يجب إعادة الاعتبار لمنظومة الرعاية الأولية والوحدات الصحية كخط دفاع أول يقلل من تفاقم الحالات المرضية وتكاليفها اللاحقة. فالمنظومة التي تهمل الوقاية والكشف المبكر تدفع أثماناً باهظة في غرف العمليات، وهي تكاليف كان يمكن تلافيها بسياسات صحية أكثر حكمة وعدلاً.
في الختام إن قضية 'أصحاب الوجيعة' هي قضية كرامة إنسانية قبل أن تكون مجرد أرقام في ميزانيات وزارات الصحة. الإنسان لا يجب أن يُعاقب مرتين؛ مرة بالمرض وأخرى بالعجز المالي، وحماية المواطن من الاستنزاف هي الاختبار الحقيقي لنجاح أي نظام سياسي واجتماعي.





שתף את דעתך
أصحاب الوجيعة: عندما تصبح فاتورة العلاج أداة للإقصاء الاجتماعي