أثار تدهور الحالة الصحية لراشد الغنوشي، رئيس البرلمان التونسي السابق، قلقاً واسعاً عقب نقله بشكل عاجل من محبسه إلى المستشفى لتلقي العلاج. ويأتي هذا التطور في ظل ظروف احتجاز وصفت بالصعبة، حيث يقبع الرجل الثمانيني خلف القضبان منذ نيسان/ أبريل 2023 بموجب أحكام قضائية ثقيلة.
تتشابه حالة الغنوشي مع ما يواجهه الدكتور سعد الكتاتني، رئيس البرلمان المصري الأسبق، الذي يقضي عقوبة السجن المؤبد منذ عام 2013. وقد رصدت تقارير حقوقية تراجعاً حاداً في الحالة البدنية للكتاتني، الذي ظهر في جلسات سابقة فاقداً للكثير من وزنه، مما أثار موجة تعاطف تجاوزت التيارات السياسية.
يرى مراقبون أن التنكيل بالرموز السياسية المنتخبة يمثل محاولة لإعادة الشعوب إلى مربع الاستبداد والفساد الذي ثارت ضده. إن استهداف قادة البرلمانات الذين جسدوا الديمقراطيات الوليدة يعكس رغبة الأنظمة الحالية في محو آثار الحراك الشعبي الذي انطلق في عام 2011.
لقد قاد الغنوشي والكتاتني المؤسسات التشريعية في ظروف استثنائية ومضطربة، محاولين تثبيت دعائم المسار الديمقراطي في تونس ومصر. ورغم التحديات الكبيرة، إلا أن القوى المضادة للثورات نجحت في استغلال الانقسامات السياسية لتقويض هذه التجارب وإعادة إنتاج النظام القديم.
في مصر، كان رفض الكتاتني للمشاركة في خارطة الطريق التي أعلنها الجيش في تموز/ يوليو 2013 نقطة تحول أدت لاعتقاله الفوري. ومنذ ذلك الحين، تعرض لمعاملة قاسية وحرمان من الزيارات العائلية والقانونية، مما فاقم من معاناته الصحية داخل السجن.
أما في تونس، فقد واجه الغنوشي إغلاق البرلمان بالمدرعات والسلاسل في تموز/ يوليو 2021، في مشهد جسد نهاية المسار الديمقراطي الدستوري. ولم يكتفِ النظام بحل البرلمان، بل شرع في ملاحقة رموزه عبر محاكمات وصفها الغنوشي بأنها صورية ولا تستند لأسس قانونية.
قرر الغنوشي في وقت سابق مقاطعة جلسات المحاكمة، معتبراً إياها إهداراً للوقت، مفضلاً التفرغ للقراءة والكتابة داخل زنزانته. وتعكس هذه الخطوة احتجاجاً رمزياً على طبيعة التهم الموجهة إليه، والتي يراها مسيسة وتهدف لتغييبه عن المشهد العام.
ما يحدث للغنوشي والكتاتني ليس انتقاماً شخصياً، بل هو استهداف للقوى الشعبية التي قادت ثورات التحرر من الاستبداد.
تشير التقارير إلى أن غياب الاهتمام الدولي الكافي بقضية الشيخين يعود في جزء منه إلى خلفيتهما السياسية الإسلامية. فبينما تتحرك المنظمات الدولية بقوة في قضايا أخرى، تظل المطالبات بالإفراج عن الغنوشي والكتاتني خجولة وغير مؤثرة على أرض الواقع.
رغم ذلك، صدرت نداءات من مقرري الأمم المتحدة المعنيين بالتعذيب والاحتجاز التعسفي، تطالب السلطات في البلدين بضرورة الإفراج عنهما. إلا أن هذه النداءات لم تجد آذاناً صاغية لدى الحكومات المعنية، التي تستمر في تجاهل الالتزامات الحقوقية الدولية.
إن الحالة الصحية المتدهورة للرجلين تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه سجناء الرأي. فاستمرار احتجاز شخصيات في هذا العمر المتقدم وفي ظل ظروف صحية حرجة يمثل انتهاكاً صارخاً للمواثيق الإنسانية الأساسية.
لقد أثبتت التجربة في مصر وتونس أن الانقلاب على الديمقراطية لا يستهدف فصيلاً بعينه، بل يمتد ليشمل كافة القوى التي تنشد التغيير. وما حدث من تراجع في الحريات العامة يؤكد أن المساس برؤوس المؤسسات التشريعية كان مقدمة لتفكيك الدولة المدنية.
يبقى الغنوشي والكتاتني رمزين لمرحلة من الأمل الشعبي الذي لم يكتمل، حيث دفعا ثمن تمسكهما بالشرعية والمبادئ الديمقراطية. وتظل قضيتهما حاضرة في وجدان الأحرار كشاهد على مرحلة صعبة من تاريخ الأمة العربي في صراعها من أجل الكرامة.
إن المطالبة بالحرية للشيخين ليست مجرد تضامن إنساني، بل هي دفاع عن قيم العدالة والحق في التعبير السياسي السلمي. فالسجون التي تضيق بالمعارضين لا يمكن أن تكون أساساً لبناء أوطان مستقرة أو مزدهرة على المدى البعيد.
ختاماً، يظل استنقاذ الغنوشي والكتاتني أمانة في أعناق القوى الحقوقية والسياسية، نظراً لما يمثله الرجلان من ثقل تاريخي ونضالي. إن إنهاء معاناتهما خلف القضبان هو الخطوة الأولى نحو تصحيح المسارات السياسية المأزومة في المنطقة.





שתף את דעתך
الغنوشي والكتاتني.. تغييب رؤساء البرلمانات خلف القضبان وتحديات الوضع الصحي