تتصاعد في الولايات المتحدة حالة من الجدل الواسع حول طبيعة الإدارة الحالية في البيت الأبيض، حيث يرى مراقبون أن الرئيس دونالد ترامب بات يتعامل مع السلطة كملك مطلق الصلاحيات. هذا السلوك دفع بآلاف المحتجين للخروج في تظاهرات حملت شعار 'لا ملوك'، تعبيراً عن رفضهم لما وصفوه بالسياسات الاستبدادية والفساد الإداري المستشري.
انطلقت هذه الاحتجاجات في توقيت رمزي لافت، وتحديداً في الرابع عشر من يونيو، وهو اليوم الذي يوافق الذكرى الـ250 لتأسيس الجيش الأمريكي وعيد ميلاد ترامب نفسه. وقد اختار الرئيس دمج المناسبتين في عرض عسكري ضخم، مما اعتبره منتقدوه دليلاً إضافياً على نرجسيته المفرطة ورغبته في شخصنة المؤسسات الوطنية.
ولم تقتصر هذه التحركات الاحتجاجية على الداخل الأمريكي، بل امتدت لتأخذ بعداً دولياً تحت مسميات مختلفة مثل 'لا دكتاتوريين'. وتعكس هذه التظاهرات قلقاً عالمياً متزايداً من تصرفات الإدارة الأمريكية التي باتت تتسم بالغرابة والابتعاد عن الأطر الدبلوماسية والتشريعية التقليدية التي حكمت واشنطن لعقود.
وفي سياق متصل، عادت التساؤلات حول الحالة الصحية والعقلية للرئيس لتتصدر المشهد الإعلامي، خاصة مع اقترابه من سن الثمانين. وتثير التصريحات المتناقضة والمنشورات المثيرة للجدل على منصات التواصل الاجتماعي مخاوف جدية بشأن قدرته على اتخاذ قرارات استراتيجية في ملفات حساسة مثل الحرب والسلم.
أبرز هذه التحذيرات جاءت من داخل عائلة الرئيس، حيث أكدت ماري ترامب، ابنة شقيقه والمتخصصة في علم النفس السريري أن عمها يظهر علامات واضحة للخرف. وأشارت في مقابلة تلفزيونية إلى أن هذه الأعراض تشبه إلى حد كبير تلك التي عانى منها والده فريد ترامب في سنواته الأخيرة.
وأوضحت ماري ترامب أن فقدان الذاكرة قصيرة المدى وصعوبة التحكم في الانفعالات هي سمات باتت تظهر بوضوح على سلوك الرئيس الحالي. وترى المحللة النفسية أن هذه الحالة تتجاوز النرجسية العادية لتصل إلى مرحلة من الاختلال الذي قد يشكل خطراً على استقرار الدولة والمجتمع الدولي.
وكانت ماري قد أصدرت سابقاً كتاباً مثيراً للجدل وصفت فيه عمها بأنه 'أخطر رجل في العالم'، مؤكدة أن البيئة العائلية هي التي صنعت هذه الشخصية. ورغم المحاولات القضائية التي بذلتها عائلة ترامب لمنع نشر الكتاب، إلا أن القضاء الأمريكي انتصر لحرية النشر، مما حقق للكتاب مبيعات قياسية.
عندما يسكن المهرج القصر، لا يتحول إلى ملك، إنما يُحول القصر إلى سيرك.
وتتجلى غرابة المشهد السياسي الحالي في طبيعة الفريق المحيط بالرئيس في ولايته الثانية، والتي بدأت في مطلع عام 2025. فخلافاً لولايته الأولى التي ضمت شخصيات قادرة على كبحه، يحيط ترامب نفسه الآن بمجموعة من الموالين الذين يشاركونه أسلوبه الاستعراضي والمثير للجدل.
ومن بين هذه الشخصيات، برز وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي تعرض لسخرية واسعة بعد استشهاده بنصوص من أفلام سينمائية على أنها نصوص دينية. هذا النوع من التعيينات يعزز الانطباع بأن الإدارة الحالية تفتقر إلى الرصانة المهنية وتعتمد بدلاً من ذلك على الولاء الشخصي والخطاب الأيديولوجي المتطرف.
وعلى الصعيد الديني والسياسي، أثار هجوم ترامب على البابا ليو الرابع عشر صدمة في الأوساط الدولية، خاصة وأن الخلاف نشب بسبب رفض البابا لخيارات الحرب. كما أن استخدام الرموز الدينية وتشبيه نفسه بشخصيات مقدسة زاد من حدة الانتقادات الموجهة لشخصيته التي يصفها البعض بالجنونية.
ويرى محللون أن وصول ترامب إلى سدة الحكم للمرة الثانية هو عرض لمرض أعمق تعاني منه القوة العظمى في العالم. فالمؤسسات التي كانت تعتبر صمامات أمان للديمقراطية الأمريكية تبدو اليوم عاجزة عن احتواء الاندفاعات الرئاسية التي تتجاوز القوانين والأعراف المستقرة.
ويشبه بعض المؤرخين ما يحدث اليوم في واشنطن بسنوات أفول الإمبراطورية الرومانية، حيث قادت التصرفات غير المتزنة للأباطرة إلى تآكل الدولة من الداخل. ويبرز اسم 'نيرون' في هذا السياق كرمز للحاكم الذي يحرق عاصمته وسط حالة من الانفصال التام عن الواقع والمسؤولية.
إن تحويل البيت الأبيض إلى ما يشبه 'السيرك' الاستعراضي يضع هيبة الولايات المتحدة على المحك في المحافل الدولية. فالحلفاء والخصوم على حد سواء يراقبون بقلق كيف تدار السياسة الخارجية عبر منصات التواصل الاجتماعي ووفقاً لأهواء شخصية متقلبة لا تخضع لمنطق الدولة.
في نهاية المطاف، يبقى السؤال المطروح هو مدى قدرة النظام الأمريكي على الصمود أمام هذه الهزات السياسية والنفسية. فبين احتجاجات الشارع وتحذيرات المتخصصين، يبدو أن الولايات المتحدة تمر بواحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث، حيث يتداخل الشخصي بالسياسي في مشهد استعراضي غير مسبوق.





שתף את דעתך
سيرك السلطة في واشنطن: هل تقود نرجسية ترامب الإمبراطورية الأمريكية نحو الأفول؟