تشهد منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي موجة متصاعدة من الكوميديا السوداء، حيث يسعى المبدعون الرقميون لتقديم محتوى جريء يهدف إلى التخفيف من وطأة الصراعات المسلحة. وتأتي هذه الخطوة في ظل توترات إقليمية متزايدة أعادت تشكيل الخارطة السياسية والاجتماعية، مما دفع الشباب للبحث عن مساحات للتعبير تتجاوز القوالب التقليدية.
أفادت مصادر صحفية بأن مقاطع الفيديو الساخرة باتت تنتشر كالنار في الهشيم، مصورةً مواقف يومية تحت القصف أو في ظل التهديدات العسكرية. أحد هذه المقاطع يظهر شاباً يستيقظ على دوي الانفجارات ليلجأ إلى والديه، ليواجه برد فعل بارد يعكس اعتياد الشعوب العربية على الأزمات، حيث يفضل الأب النوم بعد تلاوة آيات من الذكر الحكيم.
يعتبر صانع المحتوى اللبناني سامر مومنة، البالغ من العمر 22 عاماً أن هذه الفكاهة ليست مجرد ضحك، بل هي أداة لفهم الواقع المرير الذي يعيشه بلده. ويؤكد مومنة أن الحزن على الوطن لا يمنع من إيجاد متنفس ساخر يساعد الناس على استيعاب ما يجري حولهم من أحداث متسارعة وخطيرة.
امتدت هذه الظاهرة لتشمل محاكاة ساخرة للأزمات الجيوسياسية، مثل تقلبات حركة الملاحة في مضيق هرمز، حيث يتم تصويرها عبر حركات بسيطة تعكس حالة عدم الاستقرار. كما استلهم البعض من برامج المواهب الشهيرة لتصوير حالة القلق الجماعي بانتظار قرارات وقف إطلاق النار، في مقاربة تجمع بين الترفيه والواقعية المؤلمة.
يرى خبراء أن صعود الكوميديا في المنطقة يرتبط بجيل شاب ملم بالتكنولوجيا ونشأ في بيئة رقمية مفتوحة، مما مكنه من تجاوز الحدود الجغرافية والرقابية. وفي ظل الأنظمة المحافظة أو الاستبدادية، تبرز السخرية كواحدة من المنافذ القليلة التي تسمح بقول ما لا يمكن التصريح به علانية بأسلوب مبطن وذكي.
من جانبه، أوضح عصام عريقات، المؤسس المشارك لموقع 'الحدود' الساخر أن الحروب والكوارث تنهك القوى النفسية للشعوب، مما يجعل البحث عن طرق إبداعية ضرورة للبقاء. وأشار إلى أن الموقع يتبنى استراتيجية التوعية والنقد بأسلوب مرح، متناولاً سيناريوهات الحرب المعقدة التي غالباً ما لا تصب في مصلحة المواطن البسيط.
ولم تقتصر السخرية على الشعوب فحسب، بل امتدت لتشمل الحسابات الرسمية لبعض الحكومات التي استخدمت 'الاستفزاز الإلكتروني' كنوع من الدعاية الرقمية. فقد شهدت المنصات سجالات ساخرة بين سفارات وجهات رسمية دولية، استخدمت فيها النكات اللاذعة كأداة في الصراع السياسي والدبلوماسي المحتدم.
المأساة مع مرور الوقت تُنتج كوميديا، والناس يبحثون عن طرق إبداعية تساعدهم على التعامل مع مشاكلهم اليومية المنهكة.
في لبنان، الذي يعاني من تراكم الأزمات منذ انفجار مرفأ بيروت والانهيار الاقتصادي، تحولت المعاناة إلى ما يشبه 'مختبر الكوميديا السوداء'. واستخدم الناشطون أغاني شعبية شهيرة، مثل أغنية هيفاء وهبي 'بدنا نروّق'، كرسائل مبطنة تدعو الأطراف المتصارعة إلى التهدئة وتجنب المزيد من التصعيد العسكري.
وفي دول الخليج، لم يغب التأثر بالصراعات عن المشهد الرقمي، حيث عبر مؤثرون عن رغبتهم في الهدوء بعيداً عن ضجيج الانفجارات التي باتت تهدد الاستقرار الإقليمي. وانتشرت مقاطع فيديو تربط بين الرفاهية الاقتصادية والمخاوف الأمنية، في إشارة إلى القلق من تأثر المراكز التجارية والسياحية بالضربات المتبادلة.
أما في سوريا، فقد صقلت سنوات الحرب الطويلة قدرة الكوميديين على تحويل المأساة إلى مادة دسمة للنقد، خاصة فيما يتعلق بتعليمات السلامة الحكومية. وتؤكد منصة 'ستيريا' الكوميدية أن المأساة هي المادة الخام للضحك، وأن مرور الوقت كفيل بتحويل أقسى اللحظات إلى مواقف تثير السخرية والهستيريا.
ورغم القبول الواسع لهذا النوع من المحتوى، إلا أنه لا يخلو من العواقب القانونية في بعض الأحيان، حيث سجلت حالات اعتقال لمبدعين بتهمة السخرية من الأوضاع الراهنة. وتعتبر بعض السلطات أن هذا النوع من الفكاهة قد يمس بالأمن القومي أو يثير البلبلة في أوقات الأزمات الحساسة.
يواجه صناع المحتوى أيضاً انتقادات من الجمهور الذي يرى في النكات تقليلاً من هيبة الموت أو قدسية القضايا الوطنية، مما يضعهم تحت ضغط التبرير المستمر. ويتعرض البعض لمساءلات حول انتماءاتهم الدينية أو المذهبية في محاولة لتفسير أهدافهم من وراء نشر مقاطع ساخرة في أوقات عصيبة.
يدافع المبدعون عن فنهم مؤكدين أن الأخبار الحقيقية قاسية بما يكفي، وأن دورهم يكمن في رسم بسمة عابرة قد تخفف من حدة التوتر النفسي. ويرى هؤلاء أن الكوميديا السوداء هي 'صمام أمان' يمنع الانفجار النفسي للمجتمعات التي تعيش تحت ضغط الحروب المستمرة منذ سنوات.
في الختام، تظل الكوميديا السوداء في الشرق الأوسط مرآة تعكس صمود الشعوب وقدرتها على ابتكار أدوات للمقاومة النفسية في وجه الدمار. ومع استمرار الصراعات، يبدو أن هذا النوع من الفن الرقمي سيواصل نموه كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية المعاصرة للمنطقة.





שתף את דעתך
الكوميديا السوداء في الشرق الأوسط: سلاح الشعوب لمواجهة ألم الحروب