عادت 'نظرية الرجل المجنون' لتتصدر المشهد السياسي العالمي مع تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، حيث يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يعتمدها كركيزة أساسية في إدارته للصراع. يتجلى هذا النمط في رفع سقف التهديدات إلى حدودها القصوى، مما يترك الخصوم والحلفاء على حد سواء في حالة ترقب دائم لما قد تؤول إليه الخطوات القادمة.
شهدت الآونة الأخيرة تجليات واضحة لهذا الأسلوب، خاصة بعد التهديد المباشر بضرب منشآت الطاقة الإيرانية وفرض حصار على مضيق هرمز عقب تعثر المباحثات في باكستان. ورغم وصول التصعيد إلى ذروته، انتهت الجولة بهدنة هشة في الثامن من أبريل 2026، بعد أن مارس ترمب سياسة 'حافة الهاوية' عبر تمديد المهل في اللحظات الأخيرة.
تعود الجذور التاريخية لهذه المقاربة إلى عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، وتحديداً ما نقله رئيس أركانه إتش. آر. هالديمان في مذكراته. كانت الفكرة تقوم على إقناع الخصوم بأن الرئيس قد يفعل أي شيء ولا يمكن التنبؤ بردود فعله، مما يجبرهم على تقديم تنازلات خشية وقوع كارثة غير محسوبة.
استخدم نيكسون هذا التكتيك خلال حرب فيتنام، وبلغت ذروتها في قصف هانوي العنيف عام 1972، بهدف انتزاع تسوية تحفظ ماء وجه واشنطن. ومع ذلك، يرى مراقبون أن نتائج هذا الأسلوب كانت ملتبسة، حيث أن بنود اتفاق السلام اللاحق لم تختلف كثيراً عما كان معروضاً قبل التصعيد العسكري الدامي.
تشير التقارير إلى أن تأثر ترمب بنيكسون ليس مجرد مصادفة سياسية، بل هو نتاج علاقة شخصية ومراسلات امتدت لنحو عقد من الزمن. بدأت هذه العلاقة حين كان ترمب مطوراً عقارياً طموحاً في نيويورك، بينما كان نيكسون يحاول استعادة اعتباره السياسي، مما عمق فهم ترمب لاستراتيجيات القوة والصورة العامة.
تختلف ممارسة ترمب لهذه النظرية عن سلفه نيكسون في كونها تحولت من تكتيك لمواجهة مأزق محدد إلى أسلوب حكم شامل ودائم. فبينما استخدمها نيكسون في ملفات محدودة مثل فيتنام، يوظفها ترمب في طيف واسع من القضايا المحلية والدولية، محولاً الإرباك إلى 'نظام تشغيل' سياسي.
من الناحية النفسية، تحلل دراسات سلوك ترمب بوصفه مزيجاً من الطموح والانتهازية والنزعة التسلطية المرتبطة بالاندفاع. هذه السمات تجعل من الإرباك والضغط أدوات طبيعية في إدارة الصراع، حيث يجد الرئيس في حالة عدم اليقين بيئة مثالية لفرض إرادته وتحقيق مكاسب تفاوضية.
الجنوب هنا ليس فقداناً للعقل، إنما أداء سياسي محسوب يوظف الخوف وعدم اليقين أداة ضغط على الخصوم.
يصف خبراء القيادة في جامعة ييل أسلوب ترمب بـ 'الفوضى المتعمدة'، مؤكدين أنه يتبع قواعد عملية ثابتة رغم ظهوره بمظهر غير المتوقع. تعتمد هذه القواعد على غريزة بقاء حادة وقدرة على التكيف، مع استخدام التنمر والإطراء كأدوات مكملة للخروج من المآزق السياسية المعقدة.
برزت 'دبلوماسية الإحراج' كأحد تجليات هذا الأسلوب خلال الولاية الثانية لترمب، حيث لم يتردد في توجيه انتقادات علنية لضيوفه في البيت الأبيض. شملت هذه المواقف سخرية من قادة دوليين وسجالات حادة مع رجال دين وإعلاميين، مما يعزز صورته كقائد لا يخضع للبروتوكولات التقليدية.
في مواجهة الضغوط الإعلامية، يتبع ترمب استراتيجية 'إغراق الميدان' عبر ضخ سيل متواصل من التصريحات المتناقضة على منصته الخاصة. تهدف هذه السياسة إلى الهيمنة على الأجندة الإخبارية ومنع الخصوم من التقاط أنفاسهم أو تفكيك ادعاءاته، مما يبقيه دائماً في مركز الحدث والاهتمام العالمي.
تعد منصة 'تروث سوشال' الأداة الرئيسية في هذه المعركة الإعلامية، حيث يطلق ترمب مواقف متبدلة في الحدة والاتجاه خلال ساعات قليلة. هذا النشاط الكثيف يصرف الانتباه عن القضايا التي قد تضر بموقفه السياسي، ويفرض روايته الخاصة على المشهد العام بعيداً عن تدقيق الوسائل التقليدية.
امتدت صدامات ترمب لتشمل مؤسسات دولية وشخصيات اعتبارية كبرى، مثل سجاله مع البابا ليو الرابع عشر حول ملفات الهجرة والتدخلات العسكرية. تعكس هذه المواجهات رغبة في تحطيم القواعد القائمة وإعادة تعريف موازين القوى بناءً على منطق القوة المباشرة والمواجهة العلنية.
بين مكاتب مانهاتن في الثمانينيات ودهاليز السلطة في 2026، استطاع ترمب استعادة 'غموض نيكسون' وتطويره ليتناسب مع عصر الفوضى الرقمية. لم يعد السؤال اليوم يدور حول مدى عقلانية هذه التصرفات، بل حول قدرة النظام الدولي على التكيف مع هذا النمط الجديد من ممارسة القوة.
في نهاية المطاف، تبدو 'نظرية الرجل المجنون' في نسخة ترمب المعاصرة كاستجابة لاختلال موازين الردع التقليدية في العالم. إنها محاولة لفرض الهيبة الأمريكية عبر التخويف، مما يضع السياسة الدولية أمام اختبار مستمر للتعامل مع رئيس يرى في عدم القدرة على التنبؤ قمة الذكاء الاستراتيجي.





שתף את דעתך
من نيكسون إلى ترمب.. كيف تحولت 'نظرية الرجل المجنون' من تكتيك أزمة إلى أسلوب حكم؟