بعيدا عن سخونة الحرب في الشرق الاوسط .. وضياع العرب ما بين مشاريع الهيمنة، تدور في الداخل الأمريكي رحى معركة ربما لا تقل سخونة وإن كانت نتائجها ستظهر على المدى البعيد. حيث شهدت الولايات الامريكية موجة احتجاجات هائلة تقودها حركة تسمي نفسها "لا للملوك" أو No kings . وتعد هذه الموجة الثالثة من الاحتجاجات التي تقودها هذه الحركة وإن كانت الأضخم على الإطلاق، ويقال أن عدد المشاركين فيها بلغ حوالي 9 ملايين نسمة في أماكن ومدن أمريكية مختلفة. القضية الاساسية التي تنبع منها فكرة حركة "لا للملوك" هي الحد من توسيع صلاحيات وقوة الرئيس الذي من وجهة نظرهم بات يتصرف كالملك. فهو يعيد تسمية المؤسسات العامة باسمه، ويعلق لافتات ضخمة على المباني الحكومية عليها صورته ، كما يتم الإيحاء لعامة الشعب من قبل مؤيديه وبعض وزرائه من أنه مُنح تأييدا إلهيا وأن قراراته لديها نوع من العصمة والمباركة. فضلا عن سلوك ترامب نفسه المستفز على الدوام في مهاجمة المعارضين له من شتى الأطياف والأنواع وترهيب الصحفيين. فمثلا: قام بسحب الإعفاءات الضريبية من المنظمات ذات الميول اليسارية ومن جامعات مثل هارفارد كوسيلة للضغط بسبب موقف الجامعة من المظاهرات المؤيدة لفلسطين إبان حرب غزة، ومنع تمويل بـ 18 مليار دولار للبنى التحتية لولايات يحكمها ديمقراطيين مثل نيويورك.
والحقيقة هي ليست المرة الأولى التي تحدث فيه احتجاجات في عهد ترامب .. وهو أمر متوقع لأن إدارة كإدارة ترامب تتمتع بقوة سلطوية هائلة فهي تهيمن على السلطات الثلاث ويدعمها أباطرة المال والتكنولوجيا ، ولذا تعد بيئة خصبة لإثارة النعرات والعنصرية وبالتالي توليد قوة مضادة في الشارع للسياسات الترامبية المثيرة للجدل.
أحدثت الاحتجاجات هذه المرة صدى كبيرا في الداخل الأمريكي وتناولتها مناقشات فكرية وشعبوية حول انعكاساتها على الحياة السياسية في أمريكا ومدى تأثيرها في إحداث التغيير خاصة في ظل قرار الحرب على إيران وانقسام بعض الرموز الداعمة لترامب حول جدوى الحرب. ولا شك أن وزن الجهة المنظمة لها واستراتيجيتها تلعب دورا كبيرا في الصخب حولها، حيث تنبع أهمية حركة "لا للملوك" من ثلاث نقاط مهمة:
أولا: هي تنظيم جامع ومتنوع لحركات احتجاجية ومنظمات تقدمية وتحالفات تضم مئات النقابات العمالية وجماعات دينية ومنظمات حقوق مدنية متنوعة الأطياف والأهداف لكنها تتفق على معارضة سياسات ترامب وتغول السلطة التنفيذية التي يمتلكها على حساب السلطة التشريعية والقضائية.
ثانيا: لا تقتصر فعالياتها على الاحتجاج فحسب بل تسعى الى تحويل أصوات الاحتجاجات المليونية الى قوة انتخابية تحفز الشباب لضمان المشاركة في الانتخابات وتدفع بمرشحين جدد سواء في المحليات والمدن الصغيرة أو في الكونجرس لكسر هيمنة الحزب الجمهوري على معاقل السلطة في الولايات المتحدة .
ثالثا: أنها تنبذ العنف وتبتعد عن التطرف وتلتزم بالسلمية بخلاف حركات احتجاجية فوضوية أخرى ولديها نية في الاستمرارية ولهذا تجد صدى واسع داخل المجتمع المدني الأمريكي لأنها تعبر عن روح الديمقراطية والقوة الناعمة الأمريكية، كما أنها أعلنت عن فعاليات احتجاجية قادمة في شهر إبريل .
السؤال هل ستنجح الحركة في إعادة التوازن للحياة السياسية الأمريكية، أم أن معارك الديمقراطية الأمريكية لا توجد في ساحة الاحتجاجات وإنما في التسويات السرية والصفقات المشبوهة ونفوذ المال ومؤامرات الأحزاب؟ أعتقد أن انتخابات الكونجرس القادمة ستحسم هذا الجدل. وإن كنت أرجح فوز الديمقراطيين مستغلين الزخم في الشارع الأمريكي وارتفاع سعر البترول.





שתף את דעתך
لا للملوك ! أمريكا.. احتجاجات هائلة قادمة