لم تعد المعركة الأوكرانية الروسية حبيسة خطوط التماس الجغرافية في أوروبا الشرقية، بل تمددت لتصبح حرباً شاملة على الصعد السياسية والدبلوماسية والإعلامية. تحاول كييف في الآونة الأخيرة نقل ثقل الضغط على موسكو نحو مناطق نفوذها التقليدية والناشئة في أفريقيا والشرق الأوسط، مستهدفة تقويض التحالفات الروسية هناك.
وفي تطور لافت، قدم السفير الأوكراني لدى القاهرة، ميكولا ناهورني، إحاطة مفصلة إلى جامعة الدول العربية تضمنت قائمة طويلة من الاتهامات الموجهة للجانب الروسي. شملت هذه الاتهامات ادعاءات باستخدام أسلحة كيميائية وممارسة التعذيب بحق الأسرى، بالإضافة إلى شن هجمات سيبرانية استهدفت البنية التحتية الحيوية الأوكرانية.
الرسائل السياسية التي بعثت بها كييف من خلال هذه الإحاطة لم تكن موجهة للغرب، بل استهدفت بشكل مباشر العواصم العربية. تهدف هذه التحركات إلى إحراج الدول التي تتبنى موقفاً محايداً أو متوازناً من الصراع، ومحاولة دفعها نحو اتخاذ مواقف أكثر صرامة تجاه السياسات الروسية في المنطقة.
ومن أبرز النقاط التي تضمنتها الوثائق الأوكرانية المسلمة للجامعة العربية، ما وصفته كييف بـ 'مسودة' تكشف عمليات تجنيد غير قانونية لمواطنين أفارقة. وتزعم هذه الوثائق أن موسكو تستغل مؤسساتها الثقافية والتعليمية والدينية كغطاء لجذب المقاتلين من دول الجنوب العالمي للمشاركة في الحرب.
تستهدف هذه الاستراتيجية الأوكرانية ضرب 'القوة الناعمة' لروسيا في القارة السمراء والمنطقة العربية، حيث تمتلك موسكو شبكة واسعة من المنح الدراسية والمراكز الثقافية. ومن خلال التشكيك في أهداف هذه المؤسسات، تسعى كييف لتصوير روسيا كشريك غير موثوق يستغل الانفتاح الثقافي لأغراض عسكرية.
بالموازاة مع ذلك، تروج أوكرانيا لمشروع 'أريد أن أعيش' الذي تشرف عليه وزارة الدفاع، وهو برنامج يستهدف المقاتلين في الصفوف الروسية. يعد المشروع المستسلمين طوعاً بالحماية الطبية والتواصل مع ذويهم، في محاولة واضحة لاختراق المعسكر الروسي وتشجيع الانشقاقات بين الجنسيات الأجنبية.
هذا المشروع لا يمكن اعتباره مبادرة إنسانية بحتة، بل هو أداة منظمة ضمن الحرب النفسية التي تخوضها كييف. ويهدف البرنامج إلى إحراج الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المقاتلون، مما يضغط على حكوماتهم لإعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية والعسكرية مع الكرملين.
كييف لا تكتفي بتوجيه الاتهامات لروسيا، بل تسعى لاستخدامها كأداة لخلق توترات بين موسكو والدول التي تحتفظ بعلاقات متوازنة معها.
وتشير المعطيات إلى أن أوكرانيا باتت تنظر إلى حياد الدول العربية والأفريقية كعائق أمام طموحاتها الدولية. وبدلاً من احترام الخيارات السيادية لهذه الدول، تمارس كييف نوعاً من الابتزاز المعنوي عبر تصدير ملفات اتهامية لمؤسسات إقليمية ودولية لزيادة الضغط السياسي.
التقارير تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تتحدث مصادر عن سعي أوكراني لفتح 'جبهة ثانية' ضد الوجود الروسي في عمق القارة الأفريقية. ويشمل ذلك تقديم دعم مزعوم لمجموعات مسلحة في دول مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وموريتانيا لإنهاك الحضور العسكري الروسي هناك.
هذا التصعيد يعكس تحول الصراع إلى صراع على مناطق النفوذ والولاءات الدولية بعيداً عن الميدان الأوكراني المباشر. تحاول كييف بكل قوتها عرقلة مساعي الدول النامية لتنويع خياراتها الاستراتيجية بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية عبر شيطنة التعاون مع موسكو.
ومع ذلك، فإن هذه السياسة الهجومية قد تؤدي إلى نتائج عكسية لكييف في العواصم العربية والأفريقية. فهذه الدول ترفض بشكل قاطع محاولات جرها إلى صراعات دولية لا تخدم مصالحها الوطنية، ولا تقبل استخدام منظماتها الإقليمية كمنصات لتصفية الحسابات.
إن التمادي في استهداف القنوات الثقافية والدبلوماسية الروسية قد يدفع دول الجنوب العالمي إلى التمسك بسياساتها المستقلة بشكل أكبر. فالحياد بالنسبة لهذه الدول ليس ضعفاً، بل هو خيار استراتيجي يحمي مصالحها من تداعيات الاستقطاب الدولي الحاد.
تثبت التحركات الأخيرة أن أوكرانيا تتبع استراتيجية 'توسيع دائرة الاشتباك' لتشمل كل من لا يصطف معها بشكل كامل. هذه المقاربة تضع العلاقات الأوكرانية مع العالم العربي على المحك، خاصة إذا استمرت كييف في استخدام لغة الضغط والاتهام بدلاً من الحوار الدبلوماسي المتزن.
في نهاية المطاف، يبقى التساؤل حول مدى نجاعة هذه الاستراتيجية في تغيير موازين القوى. فبينما تواصل كييف هجومها الدبلوماسي، تظل الدول العربية والأفريقية متمسكة برؤيتها التي تغلب المصالح الوطنية على الانخراط في حروب الوكالة الدولية.





שתף את דעתך
كييف تنقل صراعها مع موسكو إلى الساحة العربية والأفريقية: استراتيجية 'الضغط الناعم' والابتزاز السياسي