أعلنت جامعة الدول العربية رسمياً من مقرها في العاصمة المصرية القاهرة، عن اختيار الدبلوماسي والوزير الأسبق نبيل فهمي لمنصب الأمين العام الجديد. ويأتي هذا الاختيار ليكون فهمي التاسع في تاريخ الجامعة منذ انطلاقها عام 1945، حيث من المقرر أن يتسلم مهامه رسمياً في شهر يوليو المقبل خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط.
جاء اختيار فهمي بالإجماع ودون أي اعتراض من الدول الأعضاء، وهو ما أثار حالة من الاستغراب لدى المراقبين السياسيين. فقد شهدت الفترة الماضية مطالبات عربية حثيثة، قادتها دول مثل السعودية والجزائر وقطر، بضرورة كسر احتكار مصر للمنصب وتغيير العرف السائد الذي يربط جنسية الأمين العام بدولة المقر.
يرى محللون أن التنازل العربي عن المطالبة بالمنصب يعود إلى حالة الإحباط العام من فاعلية الجامعة العربية في ظل الحروب الإقليمية المتصاعدة. وأشارت مصادر إلى أن دول الخليج العربي، التي تعرضت لضغوط أمنية وعسكرية مؤخراً، باتت ترى في منصب الأمين العام بريقاً مفقوداً لا يستحق الصراع السياسي في الوقت الراهن.
عبّر مسؤولون خليجيون عن هذا التوجه بوضوح، حيث تساءل الوزير الإماراتي السابق أنور قرقاش عن جدوى دور الجامعة في حماية أمن المنطقة. وفي السياق ذاته، أكد وزير الخارجية الكويتي جراح جابر الأحمد أن المنظمة الإقليمية عجزت تماماً عن القيام بدور مؤثر في صون الأمن القومي العربي أمام التهديدات الخارجية.
من جانبه، وصف السفير عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، اختيار نبيل فهمي بأنه 'اختيار ممتاز' نظراً لخبرته الدبلوماسية الواسعة واستقامته المهنية. ومع ذلك، حذر الأشعل من أن النجاح في هذه المهمة مرهون بالقدرة على الموازنة بين الضغوط الدولية والإقليمية، خاصة في ملف العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي.
أشار الأكاديمي المصري الدكتور مصطفى الجمال إلى أن الانقسامات العربية الحادة في هذا الظرف العصيب جعلت من 'الحل المصري' خياراً متاحاً ومعتاداً لتجنب الصدام. وأوضح أن الاتفاق على مرشح من الخليج أو المغرب العربي كان سيتطلب توافقات معقدة لا تسمح بها الظروف السياسية الراهنة التي تمر بها المنطقة.
في قراءة مغايرة، اعتبر الباحث ياسر عبد العزيز أن قبول الشخصية المصرية هو نتاج لتراجع دور الجامعة نفسها، حيث تماهى ضعف المنظمة مع حالة التراجع السياسي لبعض الدول الفاعلة. وأضاف أن القرار العربي ارتهن في السنوات الأخيرة لتوازنات القوى المالية والسياسية، مما جعل منصب الأمين العام منصباً تنسيقياً أكثر منه قيادياً.
الجامعة عجزت عن الاضطلاع بدور مؤثر بصون الأمن العربي في ظل التحديات الراهنة.
تاريخياً، ارتبط منصب الأمين العام بمصر باستثناء فترة قصيرة انتقل فيها المقر إلى تونس عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد. ورغم محاولات السعودية سابقاً طرح أسماء مثل عادل الجبير للمنصب، إلا أن الرياض فضلت في نهاية المطاف الحفاظ على التنسيق مع القاهرة لمواجهة التحديات الجيوسياسية المتغيرة في الشرق الأوسط.
يواجه نبيل فهمي ملفات شائكة تبدأ من حرب السودان المستعرة، وصولاً إلى الأزمات الممتدة في ليبيا واليمن والصومال. كما تبرز قضية فلسطين والعدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان كأولوية قصوى تتطلب تحركاً يتجاوز بيانات الشجب والاستنكار التقليدية التي اعتادت الجامعة إصدارها.
نبيل فهمي، المولود في نيويورك عام 1951، يمتلك سيرة ذاتية حافلة، حيث عمل سفيراً لمصر في اليابان والولايات المتحدة. وهو نجل الوزير الراحل إسماعيل فهمي الذي سجل موقفاً تاريخياً بالاستقالة احتجاجاً على نهج السادات في مفاوضات السلام، مما يضع الابن تحت مجهر الاختبار الشعبي والدبلوماسي.
تثير مواقف فهمي السابقة، خاصة إبان توليه وزارة الخارجية بعد عام 2013، بعض الجدل في الأوساط الحقوقية والسياسية. فقد ارتبطت فترة ولايته بتصريحات دبلوماسية وصفت علاقة مصر بواشنطن بـ 'الزواج الشرعي'، كما واجه انتقادات بسبب تقارير إعلامية حول الأوضاع الداخلية في مصر آنذاك.
في أول تصريح له عقب الاختيار، أعرب فهمي عن شكره للقيادة المصرية، مؤكداً جسامة المسؤولية في ظل 'المخالفات الصارخة للقانون الدولي' التي تتعرض لها الأمة. وشدد على ضرورة التصدي للمخططات التي تستهدف الهيمنة على المقدرات العربية والمساس باستقرار الدول الأعضاء.
يرى مراقبون صحفيون أن مصر رفضت بشكل قاطع فكرة التناوب على المنصب، معتبرة إياه حقاً أدبياً وسياسياً مرتبطاً بدولة المقر. ورغم أن الدول الخليجية هي الممول الأكبر لأنشطة الجامعة، إلا أن القاهرة نجحت في حشد التأييد لمرشحها عبر جولات دبلوماسية مكثفة سبقت عملية التصويت.
يبقى التحدي الأكبر أمام الأمين العام الجديد هو إعادة الروح لكيان يصفه البعض بأنه 'في غرفة العناية المركزة'. ولن يتحقق ذلك، بحسب خبراء، إلا بإرادة سياسية حقيقية للدول الأعضاء تهدف لإصلاح النظام الأساسي للجامعة وتفعيل آليات اتخاذ القرار الملزمة.





שתף את דעתך
نبيل فهمي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية بالإجماع: توافق الضرورة في ظل أزمات إقليمية عاصفة