بقلم: صدقي أبوضهير/ باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي
لم تعد السياسة تُصنع في غرف القرار فقط، ولم يعد تشكيل الرأي العام حكرًا على الأحزاب أو وسائل الإعلام التقليدية، بل انتقل مركز الثقل إلى فضاء أكثر تعقيدًا وخطورة، هو فضاء المنصات الرقمية. في هذا الفضاء، لا تُقاس القوة بعدد الأصوات أو البرامج السياسية، بل بقدرة الخوارزميات على توجيه الانتباه، وإعادة ترتيب الأولويات، وصناعة الإدراك الجمعي بطريقة غير مرئية. وهنا تبدأ ملامح ما يمكن تسميته بـ “تكنولوجيا السياسة”، حيث تتحول الخوارزمية من أداة تقنية إلى فاعل سياسي غير معلن.
في الحالة الفلسطينية، لا يمكن قراءة هذا التحول بمعزل عن السياق العام الذي يعيشه المجتمع، فواقع يتسم بالضغط السياسي والاقتصادي، وبالقيود اليومية، يجعل الفضاء الرقمي ليس مجرد مساحة تواصل، بل مساحة بديلة للحياة والتعبير. هذا ما يفسر الاندماج العميق للفلسطينيين في المنصات الرقمية، ليس فقط كوسيلة للترفيه، بل كبيئة تمنح شعورًا نسبيًا بالحرية والسيطرة، حتى لو كان هذا الشعور مصنوعًا داخل بنية خوارزمية دقيقة
لكن المشكلة لا تبدأ من الاستخدام، بل من طبيعة النظام الذي يدير هذا الاستخدام. فالخوارزميات لا تعمل وفق منطق الحقيقة أو المصلحة العامة، بل وفق منطق التفاعل. هي لا تسأل من على حق، بل تسأل ما الذي يجعل المستخدم يبقى أطول ويتفاعل أكثر. وبهذا المعنى، فإن المحتوى الأكثر حدة وغضبًا واستفزازًا يصبح الأكثر انتشارًا، ليس لأنه الأكثر دقة، بل لأنه الأكثر قدرة على جذب الانتباه. ومع الوقت، لا تعود المنصة تعكس الواقع، بل تعيد تشكيله.
هنا يظهر السؤال الأكثر حساسية: هل نحن أمام تأثير طبيعي للتكنولوجيا، أم أمام شكل جديد من أشكال الهيمنة الرقمية؟ الإجابة لا يمكن أن تكون تبسيطية، لأن المنصات الرقمية اليوم ليست كيانات محايدة، بل بنى تملكها شركات ودول تمتلك القدرة على التحكم في البيانات والخوارزميات والبنية التحتية. هذه القدرة تمنحها نفوذًا غير مسبوق في تشكيل الوعي، ليس عبر فرض خطاب مباشر، بل عبر التحكم بما يظهر وما يُخفى، وما يُضخّم وما يتم تجاهله. وقد أشارت دراسات متعددة إلى أن الذكاء الاصطناعي قادر على توجيه الرأي العام من خلال محتوى مخصص بدقة عالية، يستند إلى تحليل سلوك المستخدمين، ما يحول التأثير من عملية إعلامية تقليدية إلى عملية هندسة إدراكية عميقة
في هذا السياق، تبدو المجتمعات التي تعاني من هشاشة سياسية أو اقتصادية أكثر قابلية للتأثر. فلسطين ليست استثناءً، بل نموذج واضح. مجتمع شاب، متصل رقميًا بنسبة عالية، يعيش ضغطًا مستمرًا، ويبحث عن مساحة للتعبير أو حتى للهروب، يجد نفسه داخل بيئة خوارزمية تعيد تشكيل وعيه تدريجيًا. هذا لا يعني وجود مؤامرة مباشرة بقدر ما يعني وجود بيئة جاهزة للتأثير، حيث تلتقي الحاجة النفسية مع التصميم الخوارزمي.
وهنا نصل إلى جوهر الفرضية: هل الخلاف داخل المجتمع الفلسطيني قائم فعلًا على اختلاف حقيقي في الرأي، أم أنه يُعاد إنتاجه رقميًا؟ الواقع أن الخلاف موجود بطبيعته في أي مجتمع، لكن المنصات لا تكتفي بعكسه، بل تعمل على تضخيمه وتسريعه وإعادة تدويره. المستخدم لا يرى الصورة الكاملة، بل يرى ما يتوافق مع ميوله، ما يخلق فقاعات رقمية مغلقة تعزز القناعات بدل أن تختبرها. ومع الوقت، يتحول النقاش من مساحة حوار إلى مساحة صراع، ومن اختلاف طبيعي إلى استقطاب حاد
الأخطر من ذلك أن هذا التأثير لا يُمارس بشكل مباشر، بل عبر ما يمكن تسميته “توجيه الانتباه”. فالمنصة لا تقول لك ماذا تفكر، لكنها تقرر ماذا ترى، ومتى تراه، وبأي كثافة. وما يُعرض بكثافة يصبح طبيعيًا، وما يُخفى يتلاشى من الوعي. وهنا يتحول التحكم في المحتوى إلى تحكم في الإدراك، وبالتالي في تشكيل المواقف. كما أن خوارزميات التوصية قادرة على بناء مسارات سلوكية كاملة للمستخدم، تبدأ من الاهتمام وتنتهي بالتبني، دون أن يشعر أنه خضع لأي تأثير خارجي
مع ذلك، لا يمكن إعفاء المستخدم من المسؤولية. نحن لا نستهلك المحتوى فقط، بل ننتجه ونعيد نشره ونعززه بتفاعلنا. البيانات التي نتركها يوميًا تتحول إلى مادة خام تُستخدم لتحليلنا والتأثير علينا. بمعنى آخر، نحن لسنا فقط متأثرين بالخوارزميات، بل شركاء في تغذيتها. نحن نُدرّب النظام الذي يعيد تشكيلنا، ونمنحه القدرة على فهمنا بشكل أعمق مما نفهم أنفسنا أحيانًا
في النهاية، لا يمكن فصل السياسة عن التكنولوجيا في العصر الرقمي، خاصة في سياق مثل فلسطين. المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الوعي. لم تعد فقط على القرار السياسي، بل على إدراك الأفراد لما يحدث حولهم. الخطر الحقيقي ليس في وجود خلاف، بل في أن يتحول هذا الخلاف إلى منتج خوارزمي يُدار ويُضخّم ويُعاد إنتاجه بشكل مستمر، بعيدًا عن أي مشروع وطني جامع.
السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس من على حق، بل من يحدد ما نراه حتى نقرر من على حق. لأن من يملك القدرة على تشكيل المشهد الرقمي، يملك بالضرورة القدرة على التأثير في الوعي، ومن يملك الوعي، يملك المستقبل.





שתף את דעתך
تكنولوجيا السياسة: كيف تعيد المنصات الرقمية تشكيل الوعي الفلسطيني؟