تصاعدت المخاوف العالمية من نقص حاد في إمدادات غاز الهيليوم، عقب تعطل عمليات الإنتاج في دولة قطر نتيجة اضطرابات إقليمية وأضرار لحقت بمنشأة رأس لفان الحيوية. وأكد خبراء في قطاع الطاقة أن هذا التعثر بدأ يلقي بظلاله سرياً على سلاسل التوريد التكنولوجية، مما دفع كبرى الشركات الدولية للبحث عن بدائل عاجلة لتفادي توقف خطوط الإنتاج.
تعتبر الدولة الخليجية لاعباً محورياً في هذا السوق، حيث تساهم بنحو ثلث الإنتاج العالمي من هذا الغاز النادر، إلا أن تأخر الشحنات وبقاء الحاويات عالقة في المنطقة ينذر باختناقات حادة في المعروض خلال الأسابيع المقبلة. وأفادت مصادر بأن الارتباط الوثيق بين إنتاج الغاز الطبيعي والهيليوم يجعل الإمدادات شديدة الحساسية لأي توترات أمنية أو عسكرية في منطقة الشرق الأوسط.
يُصنف الهيليوم كمورد غير متجدد يتكون عبر عمليات جيولوجية معقدة تستغرق ملايين السنين، ويُستخرج غالباً كمنتج ثانوي أثناء معالجة الغاز الطبيعي. وبحسب تقارير فنية، فإن هذا الغاز يتسرب إلى الفضاء الخارجي بمجرد إطلاقه في الغلاف الجوي، مما يجعل عمليات إعادة تدويره أو استرداده محدودة للغاية وصعبة التكلفة.
وفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لعام 2025، فقد وصل الإنتاج العالمي إلى نحو 190 مليون متر مكعب، حيث تصدرت الولايات المتحدة القائمة بإنتاج 81 مليون متر مكعب. وحلت قطر في المرتبة الثانية بإنتاج قُدر بنحو 63 مليون متر مكعب، مما يوضح حجم الفجوة التي قد يتركها أي تعطل طويل الأمد في المنشآت القطرية.
يدخل الهيليوم في صلب الصناعات التكنولوجية المتقدمة، وعلى رأسها صناعة أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية التي تعتمد عليه بشكل أساسي في عمليات التبريد الدقيق. ويؤكد متخصصون أنه لا يوجد بديل عملي لهذا الغاز في ضبط درجة حرارة رقائق السيليكون أثناء التصنيع، وهو ما يجعله عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في الثورة الرقمية الحالية.
الهيليوم بالغ الأهمية، وبدونه لا يمكن تصنيع الرقائق المتقدمة، ولا توجد بدائل عملية له إذا شحّت الإمدادات.
حذر كاميرون جونسون، الخبير في استشارات سلاسل التوريد، من أن الشركات العالمية تمتلك خيارات محدودة لمواجهة هذا النقص، قد تصل إلى إبطاء معدلات الإنتاج بشكل قسري. وأشار إلى أن استمرار الأزمة سيؤثر بشكل مباشر على صناعة السيارات والهواتف الذكية والإلكترونيات الاستهلاكية التي تعتمد على المعالجات المتقدمة.
من جانبه، أوضح جيري تشانغ، المسؤول في شركة 'VAT' السويسرية لمكونات أشباه الموصلات أن الصراع الدائر في المنطقة أدى بالفعل إلى تضييق الخناق على الإمدادات المتاحة. وأضاف أن تأخيرات النقل البحري والخدمات اللوجستية زادت من حدة الأزمة، مما أثر فعلياً على وتيرة العمل في العديد من المصانع العالمية.
وفي سياق متصل، شدد جي دان هاتشيسون، نائب رئيس شركة 'تيك إنسايتس'، على أن غياب الهيليوم يعني توقفاً شبه كامل لتصنيع الرقائق المتطورة. ووصف الوضع بالخطير نظراً لعدم وجود أي غاز آخر يمتلك الخصائص الفيزيائية ذاتها التي تسمح بالتبريد الفائق المطلوب في تلك العمليات المعقدة.
لا تتوقف مخاطر الأزمة عند حدود التكنولوجيا، بل تمتد لتشمل قطاع الرعاية الصحية، حيث تعتمد أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) على الهيليوم السائل لتبريد مغناطيساتها. وتتطلب هذه الأجهزة درجات حرارة منخفضة جداً تصل إلى 269 درجة مئوية تحت الصفر لضمان عملها بكفاءة ودقة في تشخيص الأمراض.
حذر مستشارو سلامة الأنظمة الطبية من أن نقص الهيليوم قد يحول أجهزة الرنين المغناطيسي باهظة الثمن إلى 'قطع خردة' في حال فقدان التبريد اللازم. وأكدوا أن استمرار شح الإمدادات سيؤدي حتماً إلى إخراج العديد من هذه الأنظمة من الخدمة، مما يهدد قدرة المستشفيات على تقديم الرعاية الصحية الحيوية للمرضى.





שתף את דעתך
أزمة الهيليوم: اضطرابات الشرق الأوسط تهدد سلاسل توريد التكنولوجيا والرعاية الصحية