ה 26 מרץ 2026 9:38 am - שעון ירושלים

أبوابٌ موصدة، وعيونٌ بلا رجاء

للمرة الثانية خلال أيام قليلة، حتى المدينة المقدسة لم تسلم من شر الحرب. هذه المرة، سقطت شظايا صواريخ على مسافة قريبة جداً من كنيسة القيامة. فقد وقع حطام صاروخ ضخم في سقف غرفة داخل دير الروم الأرثوذكس، الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة عن المكان المقدس، مُلحقًا أضرارًا جسيمة بالمبنى. في تلك الغرفة كان أسقفٌ يبلغ من العمر 92 عامًا. وبفضل الله نجا دون أذى، لكنه عاش لحظات من خوفٍ شديد على وقع الصوت المدوي وسقوط أجزاء من السقف الذي اخترقه الحطام. وقد أُحصي أكثر من 300 شظيةٍ وحطامٍ سقطت فوق القدس.
يُثيرُ الرعبَ مجردُ التفكيرِ فيما كان يمكن أن تسببه هذه الشظايا من أذى للبشر، فحجمُها يبعثُ على الذهول، فبعضُها يُشبه تماماً الحطامَ الذي سقط في حقل الرعاة ببيت ساحور وفي مدرسة حراسة الأرض المقدسة عند باب الخليل، وبعضُها الآخر أصغرُ حجماً لكنه لا يقلُّ خطورة.
لا يجوز أن تُترك القدس عرضةً لانتهاكاتٍ وعنفٍ يقتل ويدمّر. ومن قلبِ هذه المدينة المقدسة، ينطلقُ مرّةً أخرى نداءٌ عاجل للعودة إلى لغةِ التفاهمِ والحوار، والعودة إلى إنسانيتنا احتراماً لكرامة الحياة البشرية.
أما البابُ الكبيرُ الذي يحمي مدخلَ كنيسةِ القيامةِ منذ مئات السنين، فهو مغلقٌ منذ 28 شباط الماضي، ولم يسبق في التاريخ أن ظلَّ موصداً لفترةٍ طويلةٍ ومستمرةٍ كهذه، حتى في أحلكِ الأوقاتِ من حروبٍ ومخاطرَ وتوتراتٍ وأوبئةٍ كانت تَحُدُّ من الوصولِ إلى المكان المقدس، لكنها لم تمنعه يوماً بهذه المدة المتواصلة.
لقد تزامن هذا الإغلاق مع زمن الصوم الكبير، زمن التأمل والصلاة، الذي يدعونا، في مسيرتنا الروحية، إلى العبور نحو ذلك الباب، حتى في الأوقات التي لم يكن يُفتح فيها إلا بمصراعٍ واحد.
وبينما نسير في درب الآلام، حيث شهدت تلك الطريق آلام يسوع المسيح، ندخل إلى المكان الذي قدّم فيه ذاته ذبيحةً، محوِّلًا موته إلى خلاصٍ أبدي.
تلك الأبوابُ، التي ستبقى دوماً مقدسةً، لا تزالُ موصدةً منذ 28 شباط؛ ولم يُسمح لنا بفتحِها لإقامةِ الطقوسِ العريقةِ التي تعودُ لقرونٍ طويلة، فهي ليست مجردَ عاداتٍ أو تقاليد، بل هي جوهرُ إيمانِنا.
إنّ السيرَ في دربِ آلامِ يسوعَ يبقى مسيرةَ إيمانٍ متجددةً لمَن يعيشُ في الأرضِ المقدسة، وهو اختبارٌ روحيٌّ عميقٌ لكل مَن يحيا الإيمانَ في هذه الأرضِ المجروحة. فلا يمكننا أن نتخلى عن التأملِ في آلامِ يسوعَ وموتِه ونحن نسيرُ على الحجارةِ التي تشهدُ لحضورِه الخلاصي.
ولهذا ينبغي أن نتمكّن، على الأقل، من الاحتفال بأسبوع الآلام داخل الجدران التي تحتضن الجلجثة والقبر الفارغ. ونصلّي معًا، وبمزيد من الإيمان، إلى المخلّص، لكي يعيد إلى العالم توازن السلام.
وسنبذل كل ما في وسعنا لنكون حضورًا ملموسًا وشهادة إيمان حيّة في الكنيسة الأم لجميع الكنائس، ولنتمكّن، من خلال وسائل التواصل الحديثة، من مشاركة احتفالات ورتب الأسبوع المقدس مع المسيحيين في جميع أنحاء العالم.
ولا نزالُ نشعرُ بقوةِ كلماتِ القديسِ يوحنا بولس الثاني وهي تـرنُّ في مَسامِعنا منذُ بدايةِ حبريتِه: «لا تخافوا! افتحوا، بل شرّعوا الأبوابَ للمسيح!». واليوم، تترددُ هذه الكلماتُ كدعوةٍ للشجاعةِ لكي نعيشَ إيمانَنا بصدقٍ وحق.
لم يُسمح لنا بالاحتفالِ في كنيسةِ القيامةِ في آحادِ الصومِ الكبيرِ الثاني والثالثِ والرابعِ والخامس، ولا حتى خلفَ الأبوابِ الموصدة؛ الأمرُ الذي كان متاحاً لنا خلالَ زمنِ الجائحة، وحتى في فتراتٍ تاريخيةٍ أخرى بالغةِ الظلمةِ والألم.
إنَّ مناخَ الرعبِ في الأرضِ المقدسةِ ينعكسُ اليومَ في الخوفِ المستمرِّ من "الآخر”، فخطرُ الحربِ وعدمُ الأمانِ يرفعانِ جدراناً لا تُرى ولا تُلمس، وهي جدرانٌ أشدُّ صلابةً من الإسمنتِ، ويبدو عبورُها مستحيلاً. لكنَّ علينا أن نتحدَ لفتحِها، بل لشرعِها على مصراعيها بمحبةِ القريبِ المتألم.
تتحملُ الأرضُ المقدسةُ آلاماً ومعاناةً فوقَ التصور. فلبنانُ يتعرضُ لهجماتٍ مستمرة، ونحوُ مليونِ مدنيٍّ هُجّروا قسراً، لا يجدونَ مأوىً ولا طعاماً ولا علاجاً. وفي غزة، يستمرُّ الموتُ في ظلِّ صمتِ العالم. أما في الضفةِ الغربية، فتزدادُ المعاناة بشكلٍ خارجٍ عن السيطرةِ وسطَ القيودِ والانتهاكاتِ والصعوباتِ الهائلةِ التي يواجهُها بشرٌ أرهقتهم السنون.
إننا نصلي لكي تنتهي هذه الحربُ الدمويةُ في أقربِ وقت، وألا تصبحَ واحدةً من تلك الحروبِ المنسية، القاتلةِ والفظيعةِ التي يضجُّ بها عالمُنا.
في صلاة التبشير الملائكي للأحد الرابع من الصوم الكبير، صرخ قداسة البابا بقوة:"أوقفوا إطلاق النار"؛ نطق بالكلمات بعزم، وكان صوتها يعبر عن المعاناة الإنسانية ووجع أبٍ قلق على أبنائه وعلى البشرية بأسرها. لقد طلب منا أيضاً أن "نفتح أعيننا"، وأن "نعيش مسيحيةً بعيون مفتوحة". حبران أعظمان، القديس يوحنا بولس الثاني والبابا لاون الرابع عشر، يحثاننا على الثبات والمشاركة والعمل الفاعل في الحياة مع المسيح وفي الإيمان، بثقة ليست عمياء، بل مفعمة بالرجاء.
إن كنا وحدَنا، فمنَ المستحيلِ هزيمةُ الشرِّ واستئصالُ جذورِ العنف؛ لكنَّ الأمرَ يصبحُ ممكناً إذا وحدنا قوانا وواجهنا معاً ما يبدو مستحيلاً ومرهقاً. لقد فتحَ يسوعُ عيني المولودِ الأعمى الذي آمنَ ورجا الخلاص، أما العيونُ المغلقةُ عن الخير، والمُعماةُ بحبِّ السلطة، فلا ترى آلامَ الآخرين، ولا تستطيعُ وقفَ نتائجِ الكراهيةِ التي تنتشرُ وتفتكُ بالجميع. فلنساعدِ العيونَ التي أطفأها اليأسُ لكي تنفتحَ على شجاعةِ الاتحادِ من أجلِ طلبِ الحقيقة.
لتحقيقِ ذلك، لا بدَّ من فتحِ الأبوابِ وعيونِ القلبِ والعقل. إنه أمرٌ صعبٌ... لكنه ممكنٌ. إنه يتطلبُ شجاعةً!





תגים

שתף את דעתך

أبوابٌ موصدة، وعيونٌ بلا رجاء

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.