تتصاعد في أوقات الأزمات المعيشية والانكسارات الاجتماعية حكايات صغيرة تُساق بعناية لتؤدي وظيفة إجرامية، تهدف في جوهرها إلى ترويض الوجع وإعادة تشكيل وعي الشعوب. هذه الصناعة الخطابية تعمل على تحويل الفقر من نتيجة لسياسات خاطئة إلى 'درس تزكية' يهدف لتخدير آلام الجياع ومنعهم من التساؤل عن أسباب معاناتهم.
في ظل الغلاء الفاحش، يُستحضر نموذج 'الأعرابي' من مخازن التراث ليُقدم كمعيار للإيمان الصافي، حيث يُطالب من يشتكي نقص القوت بالاقتداء بزهده المزعوم. هذا التوظيف يحول مقام اليقين بالله إلى أداة لدفن المطالبة بالحقوق، ويجعل من يتحدث عن فساد السياسات متهماً في قوة توكله وإيمانه بالقدر.
إن هذه الممارسة تمثل قلباً للمقامات الدينية الأصيلة، حيث يُستبدل مقام العدل بالإيمان، ويُستخدم التوكل كستار يمنع المحاسبة الشعبية للمسؤولين عن النهب. وبدلاً من أن يكون الدين ميزاناً لرد المظالم وإقامة الحقوق، يتحول في أيدي بعض الوعاظ إلى مسكن اجتماعي يطلب من المظلوم أن يبتلع حريقه بصمت متعبد.
تنتشر قصة الأعرابي الذي لم يبالِ بوصول سعر رغيف الخبز إلى دينار بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي، كرسالة مبطنة للمسحوقين بضرورة الرضا بالواقع المرير. والمشكلة هنا لا تكمن في تذكير الناس بربهم أو تعزيز يقينهم، بل في توقيت ووظيفة هذه الحكاية التي تُدفع للمنابر في لحظة يحتاج فيها الناس للإنصاف.
يراد لهذا النموذج أن يكون هو المسلم المثالي في زمن الغلاء، بحيث يتقبل التدهور الاقتصادي ببرود تام، وكأن كرامة الإنسان وحقه في العيش الكريم شأن هامشي في الشريعة. هذا النوع من الإجرام الفكري يلبس ثوب الدعوة ليحمي المتسببين في الحريق ويحمل الضحية وحدها مسؤولية إطفائه عبر 'الصبر الجميل'.
تتجلى الخديعة في تحويل الغلاء من ظاهرة اقتصادية وسياسية ناتجة عن الاحتكار والفساد إلى مجرد اختبار روحاني فردي يطلب من الفقير النجاح فيه وحده. هذا الاستدعاء المتعمد للمفاهيم الإيمانية يعيد ترتيب الحس الجمعي، فيجعل الغضب الفطري معصية، والمطالبة بالحقوق ضعفاً في اليقين، ونقد السياسات اعتراضاً على القدر.
يصبح المقهور بفعل هذا الخطاب خائفاً من صوته، مرتاباً في فطرته التي تطلب العدل، حيث تعمل 'إبر التخدير' الوعظية على تبديل لغة المطالبة بلغة الاستسلام. إنها عملية إعادة تعريف مشوهة للدين، تجعله أداة لتهذيب الفرد عن الاعتراض، بينما تترك المجتمع نهباً للآكلين لأقوات الناس بلا رقيب أو حسيب.
يتحول مقام الإيمان إلى بديل عن مقام العدل، ويستعمل مقام التوكل ستراً لمقام المحاسبة، ويُوظف الصبر أداة لإدامة الخلل.
النتيجة الأخطر لهذا النهج هي تعويد المجتمع على رؤية الظلم كمناخ طبيعي لا يحتاج لمعالجة، والتعامل مع الفساد كقدر محتوم وليس كجريمة سياسية واقتصادية. وعندما تتداعى بنية الوعي بهذه الطريقة، تخفت روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشأن العام، ويتحول المنبر إلى مكان لتزيين الصبر السلبي.
من المثير للتساؤل أن تزدحم المنصات بقصة الأعرابي الزاهد، بينما تغيب المأثورات التي تحث على رفض الجوع، مثل قول علي بن أبي طالب أو أبي ذر الغفاري حول العجب ممن لا يجد قوت يومه ولا يخرج شاهراً سيفه. إن القوت في ميزان الشرع ليس تفصيلاً عارضاً، بل هو قضية عدل تقع في صميم الدين وكرامة الإنسان.
إن الضمير الحي يدرك أن تغييب لغة المسؤولية والمحاسبة مقابل الإكثار من قصص الزهد السلبي هو محاولة ممنهجة لإعادة هندسة الوعي الشعبي. الهدف هو الوصول إلى إيمان بلا أثر اجتماعي، وتوكل بلا سعي لإقامة القسط، وصبر يمتص الألم دون أن يمتلك القدرة أو الإرادة لرد الظلم عن المظلومين.
يتحول 'الأعرابي' في هذا السياق إلى علامة على انقلاب الوظيفة الدعوية، فبدلاً من أن تكون الدعوة صوتاً يحرس الضعفاء، تصبح أداة لتطهير الجلاد من المساءلة. وحين يقبل المجتمع هذا التزييف، يبدأ في رؤية الدين كجدار يكتم الأنفاس ويطلب التحمل المهين، بدلاً من كونه نوراً يحرر الإنسان من الاستعباد والتبعية.
إن الدعوة التي تفقد شجاعتها في مواجهة 'ظلم القوت' تفقد بالضرورة صدقها وتأثيرها في قلوب الناس، لأن الجماهير قد تتحمل الوعظ في العبادات لكنها تنكسر حين يخذلها الخطاب الديني عند أبواب الخبز. إن الدين الذي يتراجع عن حماية الكرامة الإنسانية يتحول في نظر الجيل الجديد إلى مجرد حكايات تؤنس العزلة ولا تقيم العدل.
إن استحضار اليقين في الرزق يجب أن يتوازى مع استحضار اليقين في وجوب دفع الظلم، فالله الذي أمر بالتوكل هو نفسه الذي أمر بإقامة القسط بين الناس. لا يمكن فصل السماء عن الأرض في قضايا المعيشة، والادعاء بأن الرضا بالفقر الناتج عن النهب هو قمة الإيمان ليس إلا تزييفاً لجوهر الرسالة السماوية.
في نهاية المطاف، يجب الحذر من كل خطاب يحاول إطفاء أسئلة العدالة في القلوب باسم التقوى، فالدين جاء ليكون ميزاناً تقوم به حياة الناس وتُصان به حقوقهم. إن الوعي الحقيقي يبدأ من رفض 'إبر التخدير' والتمسك بالدين كقوة محركة للتغيير والإصلاح، لا كأداة لإدامة الخلل وحماية المفسدين.





שתף את דעתך
خديعة 'الأعرابي': كيف يُوظف الخطاب الديني لتخدير ضحايا الغلاء؟