تتحول موازين القوى البحرية المعاصرة من ضفاف الأنهار التاريخية إلى أعماق المحيطات السحيقة، حيث تبرز الغواصة البريطانية 'إتش إم إس أنسون' كواحدة من أكثر القطع العسكرية غموضاً وتطوراً. تتواجد هذه الغواصة حالياً في منطقة بحر العرب، وهي تمثل جيلاً جديداً من القوة البحرية التي لا تعتمد على الضخامة المرئية بل على التخفي والقدرة الهجومية الصامتة.
يبلغ طول هذا الوحش الفولاذي ما يعادل ملعب كرة قدم، وقد جرى تغليف جسمها بنحو 39 ألف بلاطة مطاطية صممت خصيصاً لمحاكاة جلد القرش. تكمن الوظيفة الأساسية لهذا الغلاف في امتصاص موجات السونار المعادية، مما يجعل الغواصة شبه غير مرئية أمام أجهزة الرصد، ويسمح لها بالتحرك في المياه الدولية دون ترك أي أثر يذكر.
لا تقتصر عبقرية التصميم في 'أنسون' على مظهرها الخارجي، بل تمتد إلى أنظمة البقاء الداخلية التي تجعلها كوكباً مستقلاً. تمتلك الغواصة نظاماً متطوراً لإنتاج الأكسجين عبر التحليل الكهربائي لمياه البحر، وهو ما يوفر للطاقم هواءً يفوق في نقائه الهواء الطبيعي، مما يلغي حاجتها للصعود إلى السطح من أجل التزود بالهواء.
داخل هذا الهيكل الفولاذي المعقد، يعيش طاقم من النخبة يضم 98 فرداً يقضون شهوراً طويلة في عزلة تامة عن العالم الخارجي. وتضم الغواصة في أحشائها ما يقارب مليون قطعة غيار، بالإضافة إلى شبكة معقدة من الأسلاك الكهربائية تمتد لمسافة تصل إلى 110 كيلومترات، مما يعكس حجم التعقيد الهندسي لهذا السلاح.
الغواصة أنسون كوكب مستقل تماماً تحت الماء، وقدرتها التدميرية تجعلها تأميناً صامتاً في الممرات المائية الحيوية.
على الرغم من أن الغواصة تعمل بواسطة مفاعل نووي يوفر لها طاقة غير محدودة للحركة، إلا أنها تصنف كغواصة هجومية مسلحة بترسانة تقليدية فتاكة. فهي تحمل صواريخ من طراز 'توماهوك' القادرة على ضرب أهداف بدقة عالية على بعد يتجاوز 1600 كيلومتر، وهو مدى يسمح لها بتهديد أهداف بعيدة جداً عن موقع رسوها.
وإلى جانب الصواريخ الجوالة، تتسلح الغواصة بطوربيدات 'سبيرفيش' التي تعد من أسرع الأسلحة تحت المائية، حيث تنطلق بسرعة تصل إلى 150 كيلومتراً في الساعة. هذه السرعة الهائلة تحت الماء تمنح الطوربيد قوة اصطدام كافية لشطر قطع بحرية ضخمة، بما في ذلك حاملات الطائرات، إلى نصفين بضربة واحدة مباشرة.
وفي سياق القوة الردعية الشاملة، تبرز شقيقات 'أنسون' من فئة 'فانغارد' كأنياب نووية حقيقية للمملكة المتحدة، حيث تحمل صواريخ 'ترايدنت' العابرة للقارات. وتقدر التقارير العسكرية أن القوة التدميرية لغواصة واحدة من هذه الفئة تعادل مئة ضعف القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما، مما يجعلها ركيزة أساسية في استراتيجية الردع.
يبقى العائق الوحيد الذي يضطر هذه الغواصات للظهور على السطح هو الاحتياجات البيولوجية للطاقم وليس الوقود أو الطاقة. فبمجرد نفاذ المخزون الغذائي من الثلاجات الضخمة، تضطر الغواصة لإنهاء مهمتها، بينما يظل وجودها في ممرات مثل بحر العرب رسالة تأمين صامتة ومهاماً سرية تزيد من غموض هذا الشبح البحري.





שתף את דעתך
شبح الأعماق البريطاني في بحر العرب: قدرات الغواصة النووية 'أنسون'