شهدت السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب تحولاً دراماتيكياً تجاه الملف الإيراني خلال الأيام القليلة الماضية. فبعد فترة من التشدد واستبعاد أي فرصة للاتفاق، أبدى ترامب انفتاحاً مفاجئاً على الحوار، مشيراً إلى أن القيادة الإيرانية أصبحت تبحث عن مخرج للأزمة الراهنة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا التغيير لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سلسلة من الاتصالات غير المباشرة وضغوط مكثفة مارسها حلفاء واشنطن في منطقة الخليج. وحذر هؤلاء الحلفاء من أن الاستمرار في نهج التصعيد العسكري قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تطال استقرار المنطقة بأكملها.
وفي خطاب ألقاه أمام حشد جماهيري في مدينة ممفيس بولاية تينيسي، أكد ترامب أن طهران أبدت رغبة حقيقية في التوصل إلى تسوية سياسية. وقال الرئيس الأمريكي بلهجة واثقة: 'إنهم يريدون التسوية، وسنُنجزها'، في إشارة إلى بدء مرحلة جديدة من الدبلوماسية النشطة.
وقبيل مغادرته البيت الأبيض يوم الجمعة، عزز ترامب هذا التوجه بتصريحات لافتة أكد فيها ضرورة الحفاظ على الطرف الآخر لضمان نجاح أي اتفاق. وأوضح أنه لا يمكن الوصول إلى وقف إطلاق نار مستدام في ظل سياسة الإبادة الكاملة للخصم، مما يعكس تغيراً في الفلسفة التفاوضية للإدارة.
وتشير المعلومات المسربة إلى أن الإدارة الأمريكية تعمل حالياً عبر قنوات دبلوماسية متعددة الأطراف لضمان إيصال رسائلها بدقة إلى طهران. وتبرز أسماء دول مثل باكستان وتركيا ومصر وسلطنة عمان كوسطاء رئيسيين في هذه العملية المعقدة التي تهدف لخفض التصعيد.
وتتضمن المقترحات الأمريكية التي جرى تداولها خلف الكواليس قائمة من 15 بنداً أساسياً تهدف إلى معالجة الهواجس الأمنية لواشنطن وحلفائها. وتشمل هذه البنود قيوداً صارمة على البرنامج النووي الإيراني، ووقف دعم الفصائل الموالية لطهران في المنطقة، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.
وعلى الرغم من هذا الانفتاح الدبلوماسي، إلا أن التحركات الميدانية الأمريكية لا تزال تعكس حالة من الحذر والترقب الشديدين. فقد استمرت واشنطن في إرسال وحدات إضافية من مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، كإجراء احترازي لمواجهة أي تصعيد محتمل قد يطرأ خلال فترة التفاوض.
لا يمكن التوصل إلى وقف لإطلاق النار وأنت تبيد الطرف الآخر تمامًا.
من جانبها، التزمت طهران بموقف حذر، حيث نفت رسمياً إجراء أي مفاوضات مباشرة مع الجانب الأمريكي في الوقت الحالي. ومع ذلك، لم ينكر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إمكانية اختبار مسارات التفاوض عبر الوسطاء، مما يفتح الباب أمام احتمالات التهدئة.
ويرى مراقبون أن الضغوط الاقتصادية لعبت دوراً حاسماً في دفع ترامب نحو هذا المسار الدبلوماسي الجديد. فقد أدى الإعلان عن احتمالية وجود محادثات إلى انتعاش فوري في بورصة وول ستريت وانخفاض ملحوظ في أسعار النفط العالمية، وهو ما يخدم الأجندة الاقتصادية للإدارة.
وحذر حلفاء الولايات المتحدة في الخليج من أن أي استهداف لمنشآت الطاقة الإيرانية سيؤدي إلى ردود فعل كارثية تطال البنية التحتية المدنية في المنطقة. هذه التحذيرات دفعت مستشاري ترامب إلى إعادة تقييم المخاطر الاستراتيجية المترتبة على الخيار العسكري المباشر ضد طهران.
وفي إطار التنسيق الدولي، حرص كبار المسؤولين في إدارة ترامب، وعلى رأسهم نائب الرئيس جيه دي فانس، على إبقاء إسرائيل في صورة التطورات. كما جرت اتصالات رفيعة المستوى مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر لضمان وجود جبهة دولية موحدة تجاه المقترحات الجديدة.
وتسعى الوساطة التي تقودها دول إقليمية إلى تأمين ممرات الملاحة الدولية، وخاصة في مضيق هرمز، كجزء من إجراءات بناء الثقة. وتعتبر واشنطن أن ضمان مرور السفن بأمان يمثل أولوية قصوى لا يمكن التنازل عنها في أي اتفاق مستقبلي مع الجانب الإيراني.
وشدد ترامب في تصريحاته الأخيرة على أن خبرته الطويلة في عالم المفاوضات تجعله قادراً على تقييم جدية الطرف الآخر. وأكد أن الإيرانيين يبدون هذه المرة 'جادين' في رغبتهم بإنهاء العزلة الدولية، شريطة التوصل إلى صيغة تحفظ مصالح جميع الأطراف المعنية.
ويبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة الطرفين على تجاوز عقود من العداء والشكوك المتبادلة للوصول إلى اتفاق شامل. ورغم أن الطريق لا يزال محفوفاً بالمخاطر، إلا أن التحول الحالي يمثل فرصة نادرة للدبلوماسية لتجنب صراع إقليمي واسع النطاق في الشرق الأوسط.





שתף את דעתך
من التصعيد إلى التفاوض.. كواليس التحول المفاجئ في استراتيجية ترامب تجاه إيران