تتصاعد حدة التوترات في منطقة الشرق الأوسط خلف ستار من التصريحات الدبلوماسية التي يطلقها الرئيس الأمريكي ترامب، والتي تتزامن مع خطابات بنيامين نتنياهو الموجهة للغرب. تعكس هذه التحركات حقيقة صراع وجودي يهدف إلى منع دول المنطقة من امتلاك القوة الدفاعية المستقلة، تحت ذريعة حماية الاستقرار العالمي.
إن الحديث عن 'نافذة للتفاوض' وتأجيل الضربات العسكرية ضد إيران لا يعدو كونه ممارسة لسياسة الابتزاز السياسي الواضح. تسعى واشنطن من خلال هذه المناورات إلى فرض واقع جديد يجبر الأطراف الإقليمية على التخلي عن قدراتها الردعية مقابل وعود بهدوء هش لا يضمن السيادة الوطنية.
ترى القوى الاستعمارية الحديثة أن امتلاك أي دولة في المنطقة لأدوات الدفاع عن نفسها يمثل تهديداً وجودياً يجب سحقه بالكامل. هذا المنطق يكرس حالة من عدم التكافؤ، حيث يُسمح لطرف واحد بالهيمنة المطلقة بينما يُطالب الآخرون بالبقاء في حالة من العجز الدائم.
إن رفض طهران للمفاوضات المباشرة في ظل التهديدات العسكرية المستمرة ليس مجرد عناد سياسي، بل هو إدراك عميق لمخاطر التفاوض على حق الدفاع. فالتنازل عن أدوات القوة في ظل بيئة إقليمية مضطربة يمثل انتحاراً سياسياً للدولة التي تسعى للحفاظ على كيانها.
ما يشهده الإقليم اليوم ليس فوضى عشوائية، بل هي 'فوضى منظمة' تهدف إلى استنزاف مقدرات الدول ومنعها من مراكمة القوة الاستراتيجية. تسعى إسرائيل بدعم أمريكي غير محدود لتثبيت مكانتها كقوة مهيمنة وحيدة تضرب متى تشاء دون توقع أي رد فعل رادع.
يبرز النفاق الدولي في أوضح صوره عند مقارنة التعامل مع الترسانة النووية الإسرائيلية والقدرات الدفاعية التقليدية لدول المنطقة. فبينما يُنظر للسلاح الإسرائيلي كحماية للديمقراطية، تُصنف الصواريخ الدفاعية الإقليمية كتهديد للسلم العالمي، وهي ازدواجية تغذي الصراع وتعمقه.
تتأثر الأسواق العالمية وأسعار النفط بشكل مباشر بهذه التوترات، خاصة مع القلق المتزايد على أمن ممرات التجارة الدولية كمضيق هرمز. هذا الانعكاس الاقتصادي يثبت أن القوى الكبرى تخشى من فقدان السيطرة على الموارد التي تسعى لنهبها دون دفع ثمن سياساتها العدوانية.
التفاوض على حق الدفاع عن النفس هو انتحار بطيء للدولة، والشرق الأوسط لن ينعم بالأمن طالما استمرت سياسة العربدة العسكرية.
تجد دول الوساطة مثل مصر وعُمان وتركيا وباكستان نفسها في مهمة معقدة لمحاولة نزع فتيل الانفجار الشامل. فمن الصعب إقناع طرف معتدٍ بالتوقف وهو يرى أمنه في تجريد جيرانه من السلاح، كما يصعب إقناع المعتدى عليه بترك وسائل دفاعه الضرورية.
أطلق مسؤولون في المنطقة، ومن بينهم وزير الخارجية المصري، صرخات تحذير من مغبة الانزلاق نحو فوضى عارمة بسبب الانحياز الأمريكي الأعمى. هذه التحذيرات تعكس مخاوف حقيقية من أن السياسات الحالية تدفع المنطقة نحو نقطة لا عودة، حيث ستنفجر الأزمات في وجه الجميع.
دخلت القوى الدولية مثل روسيا والصين على خط الأزمة بتحذيرات من تداعيات كارثية لأي توسع في العمليات العسكرية. يشير هذا التدخل إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في إطاره الإقليمي، بل بات يحمل أبعاداً جيوسياسية تهدد التوازنات الدولية الكبرى.
أثبتت التجارب التاريخية القريبة في العراق وسوريا أن محاولات كسر توازنات القوة لصالح طرف واحد لا تجلب استقراراً مستداماً. بل على العكس، فإن تهميش سيادة الدول وزرع بؤر التوتر يؤدي إلى خلق ألغام سياسية تنفجر تباعاً وتدمر فرص السلام الحقيقي.
يظل الاقتصاد العالمي رهينة للسياسات العسكرية المتهورة التي تمارسها واشنطن وتل أبيب في المنطقة الحيوية للطاقة. ومن المثير للسخرية أن تتباكى المنظمات الدولية على إمدادات النفط بينما تتجاهل استهداف البنى التحتية والمنشآت السيادية للدول الإقليمية.
إن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق عبر طاولات المفاوضات التي تطلب من الضحية تسليم سلاحها للمعتدي. بل سيأتي عندما تدرك القوى الكبرى أن تكلفة حماية الاعتداءات المستمرة أصبحت أكبر من قدرتها على الاحتمال والمناورة السياسية.
في نهاية المطاف، يقف الشرق الأوسط أمام خيار بناء قوة ردع حقيقية تجبر الجميع على احترام السيادة الوطنية المتبادلة. لقد انتهى زمن الضرب من طرف واحد، وبات على القوى التي تمارس العربدة العسكرية أن تدرك أن لكل فعل رد فعل قد يطال عقر دارها.





שתף את דעתך
معادلة القوة في الشرق الأوسط: بين الابتزاز الدبلوماسي وحق الدفاع عن النفس